Santuario della Madonnetta

الجزء الثاني ـ أوغسطينوس يبحث عن اللّه

الجزء الثاني ـ  أوغسطينوس يبحث عن اللّه

١. في ملكوت اللّه

لنتصوّر الوطن العلوي والسّماوي، الذي لا نزال بعيدين عنه. هنالك تتربّع إرادة اللّه على عرشه العليّ، والمقدّس، والخفي، في بيته وفي معبده، وسط الأرواح التي يوحد فيما بينها السلامُ المطلق والصداقة، وتصقل في قلبٍ واحدٍ حرارةُ المحبّة. من ذاك المكان، تنتشر إرادته في كل مكان، وتحرّك بترتيب منظّم وكامل المخلوقاتِ الروحانيةَ أولا، ثم المخلوقات المادية. تُستخدم جميعها وفقًا لأحكامه المُبرمة: الأشياء المادية وغير المادية، الأرواح العقلانية وغير العقلانية، الأخيار بنعمته والأشرار بإرادتهم الخاصة. لكن كما أن الأجسام الأكثر ثقلا وضعفًا تُحكم من أجسام أكثر رقّةً وقدرة، وفقا لنظام محدّد، كذلك هي جميع الأجسام محكومة من كائن حيّ: فالكائن الحيّ المجرّد من العقل يحكمه كائن حيّ عاقل، والكائن الحي العاقل الذي جعل نفسه متمرّدا وخاطئًا يحكمه كائن حي عاقل، تقيّ وبارّ، وكل هذه الكائنات يحكمها اللّه نفسه. وعلى هذا النحو، فإن كلَّ الخليقة يحكمها خالقها, الذي منه وبواسطته وبه خُلقت ونُظّمت. لذلك فإن إرادة اللّه هي العلة الأولى والعُظمى لجميع الأشكال والحركات المحسوسة. في الواقع لا شيء يحدث من منظور أو محسوس دون أن يكون قد أمر وسمح به ذو السيادة العُظمى من أعماق قصره الخفي والمعقول، وفقا للثواب غير الموصوف من مكافأة وعقاب، من نعمة وجزاء في هذا الوضع الشاسع والواسع، الذي هو الخليقة بكاملها. (الثالوث ٣، ٤، ٩)

٢أهمية معرفة الذات

يقدّر الناس كثيرا عِلم العالم الأرضي والسّماوي؛ ولكن من دون شك إن أفضلهم هم الذين يفضّلون معرفة ذواتهم على هذا العلم. والنفس التي تعترف بضعفها تستحقّ مديحًا أكبر من تلك التي لا تأخذ ذاتها بعين الإعتبار وتفضّل التحقيق في مدارات الكواكب، أو من تلك التي تعرفها مسبقًا ولكنها تجهل الطريق الذي يقودها إلى الخلاص والأمان. أما مَن يحفّزه التوهّج الإلهي، وعيناه مفتوحتان جيدا نحو اللّه؛ ومَن بحبه له أصبح يعي شقائه الخاص؛ ومن يرغب ولا يقدر أن يصل إليه، فينظر إلى نفسه على ضوء اللّه ويكشف عن ذاته ويُقِن بأن مرضه لا ينسجم مع نقاء اللّه، سيتذوّق هذا الشخص طعم الحلاوة بينما يبكيه، ويتوسّل إلى اللّه ليكون رحيما عليه حتى يتحرّر من كل بؤسه. فضّل ذلك الشخص علما على آخر، فضّل أن يعرف ضعفه بدلا من أن يتعرّف على أقاصي العالم، وعلى أسس الأرض، وعلى أعالي السّموات. بفعل هذا العلم المادي زاد فقط على منفاه ألمًا، ينبع من حنينه إلى الوطن ومن خالقه الطوباوي، من إلهه. في الحقيقة، إن جوهر اللّه، علة وجوده، لا شيء فيه متغيّرٌ مطلقًا، سواء في الخلود أم في الحقيقة أم في الإرادة: فالحقيقة في اللّه أبدية، والمحبة فيه أبدية؛ وحقيقيّة فيه المحبة، وحقيقيّه فيه الأبدية؛ محبوبة فيه الأبدية، محبوبة فيه الحقيقة. (المصدر نفسه ٤، ١، ١)

٣. كَم وَكيف يحبنا اللّه

وإن كنّا مُستبعدين عن البهجة الثابتة، فنحن لسنا منفصلين عنها ومرميين إلى درجة التنازل عن البحث عن الخلود، وعن الحقيقة وعن الغبطة حتى في هذه الأشياء المتغيّرة والزّائلة: في الواقع نحن لا نرغب في أن نموت، أو نخطأ أو أن نكون مضطربين. لهذا فقد بعث اللّه لنا رؤىً توافق رحلة حجّنا ليذكّرنا بأن ما نبحث عنه ليس هنا، بل من هنا ينبغي بنا العودة إلى البدء الذي أتينا منه، لأننا إذا لم نجد فيه مركزنا، لا يمكننا البحث هنا في الأسفل عن الأشياء الموجودة في العلى. و قبل كل شيء كان من الضروري إقناعنا بعظمة حب اللّه لنا، كي لا يمنعنا اليأس من تصاعدنا إليه. علاوة على ذلك، كان لا بد أن ينكشف لنا بوضوح الوضع الذي كنّا فيه عندما أحبّنا، حتى وإن افتخرنا باستحقاقاتنا لا نبتعد عنه أبدا، فنصبح بذلك أكثر ضعفا في قوتنا. إذن تعامل اللّه معنا بشكل أنه بينما نتقدّم بمعونته، تجد قوةُ المحبة كمالها في ضعف التواضع. كان ينبغي إقناع الإنسان بعظمة حبّ اللّه لنا كي لا نيأس، وبالوضع الذي كنّا فيه عندما أحبّنا كي لا نستكبر. (المصدر نفسه ٤، ١، ٢)

٤. طبيعة الحبّ

ما الحبّ، إن لم يكن حبّ الخير؟ لكنّ الحبّ يفترض مَن يحبّ، وعن طريق الحبّ نحبّ شيئا ما. ها هي ثلاثة أمور: من يحبّ، ما يُحبّ والحبّ نفسه. فالحبّ إذًا هو حياةٌ توحّد أو تميل إلى توحيد كائنَين: الذي يحب وما هو محبوب. هكذا هي الحال أيضًا في الحبّ السفلي والجسدي؛ ولكن، لنرتفعنَّ إلى حيث النفس لبلوغ المنبع الأكثر نقاوة وشفافية. ماذا تحبّ النفسُ في صديق، إن لم تكن النفس؟ هنا أيضًا يوجد ثلاثة أشياء: من يحبّ، وما هو محبوب، والحبّ. لنرتفعنَّ مرة ثانية ولنبحثنَّ في الأعالي عن هذه الأشياء، بما أُجيز للإنسان أن يعمله. نتوقف الآن عند هذه الفكرة، ليس لأنّنا وجدنا مُسبقًا ما نبحث عنه، بل لأنّنا وجدنا أين علينا أن نبحث. (المصدر نفسه ٨، ١٠، ١٤)

٥. البحث عن اللّه

ليس الكمال في هذه الحياة إلاّ نسيانا لما خلفنا ونمتدّ، بكل ما لذاتنا من جهد، نحو ما هو أمامنا. هذا الإجتهاد في البحث هو الطريق الآمن إلى غاية بلوغ ما نتوق إليه فيمدّنا إلى ما يفوق أنفسنا. لكن الإجتهاد الصادر عن الإيمان هو الوحيد المستقيم. إنها حقيقة إيمان، وهي، بطريقة أو بأخرى، بداية المعرفة؛ غير أنّ حقيقة المعرفة لن تتم إلا بعد هذه الحياة، عندما نرى اللّه وجها لوجه. إذن لدينا هذه القناعة الحميمة وسنعرف بأنه أكثر أمانا هو الشعور الذي يدفعنا للبحث عن حقيقة ما فيجعلنا نفترض معرفة ما لا نعرفه. لنبحث إذن عن طريق روح من يجد ولنجد عن طريق روح من يبحث. في الواقع، عندما سيفكر الإنسان بأنه قد انتهى من بحثه عندئذ سيبدأ. لا يوجد أيّ شك صادر عن حرمان الإيمان حول الحقائق التي نعتقد بها؛ لا يوجد أيّ إثبات مُجازف حول الحقائق التي تستدعي الفهم، ينبغي علينا، فيما يخص الأولى، أن نتقيّد بالسلطة، أما فيما يخص الثانية فيجب علينا أن نتفحّص الحقيقة. (المصدر نفسه ٩، ١، ١)

٦. معرفة الروح لنفسها وللواقع كلّه

أيٌّ إنسان يفهم بأن الروح بطبيعتها جوهر لا جسماني لأنها لا تحتل في الكون مكانا أصغر مع جزء أصغر من ذاتها، ولا مكانا أكبر مع جزء أكبر. إذن أولئك الذين يعتبرون ما هو ليس بجسد مادي غير موجود على الإطلاق فهم مخطئون. لا تُبحث الروح كما لو كانت غائبة عن نفسها. ما هو أكثر حضورا في المعرفة كحضور الروح، ما هو أكثر حضورا في الروح كالروح نفسها؟ لذلك، عندما تبحث العينان وحواس الجسد عن المعرفة، في الواقع، الروح هي التي تبحث، كما أنها تلفت انتباه الحواس الجسدية وهي التي تجد عندما تصل الحاسة إلى الأشياء التي تبحث عنها. يحدث هذا أيضا للأشياء الواقعية التي ينبغي على الروح معرفتها مباشرة، دون تدخل حواس البدن، يتعلق الأمر بالجوهر المتعالِ، يعني اللّه، أو بالأجزاء الأخرى للنفس أو بالصور الجسدية. في الحقيقة، إن الروح تجد هذه الصور داخل النفس، أين تمّ طبعها عن طريق حواس البدن. (المصدر نفسه ١٠، ٧، ١٠)

۷. لمعرفة أنفسنا ينبغي على الروح الإنفصال عن العالم المحسوس

الروح موجودة في الأشياء التي تفكر فيها بحبّ، وبحبها لها فهي تتآلف معها، بحيث لم تعد بحد ذاتها قادرة على أن توجد دون صور الأجساد. مصدر خطئها الحقير هو عجزها عن الإنفصال عن صور الأشياء الملموسة لترى فقط نفسها. لقد اتحدت تلك الصور بها بشكل غير عادي برباط الحبّ وهذا هو دنسها، لأنها عندما تبذل جهدا في التفكير فقط في نفسها، فإنها تتعرف على ما لا يمكن بدونه التفكير فيه [المعلم الداخلي]. إذن إذا يطلب منها معرفة نفسها، فلا تبحث كما لو كانت مسلوبة من نفسها، بل لتتخلّص من الشيء الزائد عنها. إنها أعمق من نفسها، ليس فقط من هذه الأشياء الحسية التي هي في الخارج بصورة واضحة، بل وهي كذلك أعمق من صور هذه الأشياء الموجودة في ذلك الجزء من النفس والموجودة أيضا عند البهائم، رغم حرمانها من العقل، الذي هو خاص بالروح. رغم كونها نفسها الروح الباطنية، فهي تخرج من ذاتها، بطريقة أو بأخرى، تلقي بأشواق حبها على هذه الصور التي هي بمثابة آثار لأفعالها المتعددة التي تحرص عليها. تُطبع هذه الآثار في الذاكرة، عندما تدرك هذه الأشياء الجسدية التي هي في الخارج، بحيث، عند غيابها، تكون صورها حاضرة عند أولئك الذين يفكرون فيها. إذن لكي تعرف الروح نفسها؛ لا ينبغي أن تبحث عن نفسها باعتبارها غائبة، بل لتثبّت على نفسها انتباه الإرادة التي كانت تضلّل في أشياء أخرى، بطريقة عشوائية، ولتفكّر. سترى هذه الروح بأنها لم تتوقف أبدا عن الحبّ والمعرفة؛ غير أن حبها لأشياء أخرى مختلفة عنها، جعلها مرتبكة، باحتوائها لها. وهكذا، باعتناقها فقط لهذا التنوع في الكل، تصورت أن هناك حقيقة واحدة في حين يوجد العديد منها. (المصدر نفسه ١٠، ٨، ١١)

٨. لا تتعب أبدا من البحث عن اللّه

اللّه الذي ينبغي أن نبحث عنه، هو نفسه من يساعدنا على العثور عليه. في الواقع، إن ما نبحث عنه لوقت طويل يبدوا صعب الوصول إليه. لكن لماذا يحدث هذا؟ ربما لأننا ندرك بأنه حتى عند إيجاده، ينبغي البحث عنه أكثر؟ على هذا النحو ينبغي البحث عن الوقائع الغير القابلة للتفسير، لأنّ شخصا ما إذا لم يجد الشيء الذي يتعذر فهمه فلا يزعم بأنه لم يجد شيئا. لماذا إذن يبحث الشخص إذا كان يدرك بأن الشيء الذي يبحث عنه لا يمكن فهمه؟ لماذا لا ينبغي أبدا أن يكفّ عن ذلك، حتى يتقدم في البحث عن الشيء الذي يتعذّر فهمه، ولأنه يصبح دائما الأفضل في بحثه عن الخير العظيم، لنبحث عنه كي نجده ولنجده كي نبحث عنه أكثر: نبحث عنه لنجده مع مزيد من الحلاوة ونجده لنبحث عنه بشوق كبير. من خلال بحثنا للّه، يزيد جوعنا وعطشنا للّه! في الواقع، إنّ الناس يأكلون ويشربون لأنهم يجدون الغذاء الملائم، وبما أنهم يجوعون ويعطشون باستمرار، فإنهم يبحثون عنه مرة أخرى. الإيمان يبحث والعقل يجد. والعقل يبحث مرة أخرى عن الذي سبق ووجده، ولكن ليس كليا. لذلك، يجب على الإنسان أن يكون ذكيا: في بحثه عن اللّه وفي إيجاده له. (المصدر نفسه ١٥، ٢، ٢)

۹.المخلوقات هي علامات اللّه

خلق اللّه الكون، لأن، عن طريق مخلوقاته، بإمكاننا معرفته، باعتباره خالقها. في الحقيقة، بعد أن خلق العالم، أصبحت كمالاته المخفية ظاهرة للعقل عن طريق الأشياء التي خلقها. إذا كانت الأشياء تثير الإعجاب بجمالها وقدرتها، فخالقها سيكون أكثر من ذلك بكثير! فلا أحد إذن يحكم على محاولة صعودي إلى الخالق عن طريق المخلوقات، بأنها باطلة ومن غير جدوى، لأن كل مخلوق هو رسم، إذا جاز التعبير، للواقع الإلهي. ارتفعتُ، تدريجيا، بدءا بالنظام البديع للأشياء، إلى غاية روح الإنسان التي هي في حد ذاتها صورة نقية لروح اللّه. (المصدر نفسه ١٥، ٢، ٣)

١٠. ستكون دائما شبعانا ولن تكون أبدا شبعانا

إخواني، من أين تنشأ بهجتكم، إن لم تكن من شرارة الحبّ الذي بداخلكم؟ أخبروني، فيما ترغبون؟ هل الحبّ شيء يمكن رؤيته ولمسه؟ هل هو جمال يرضي العينين؟ كيف يظهر إلى عيونكم شخص مراهق جميل جدا، لكنه لص؟ هل تشعر عيونكم بالرعب. ماذا يعني هذا؟ إذا تقيّدتم بحكمهما، فلا يوجد ما هو أكثر انسجاما ورشاقة من ذلك الجسد: الأعضاء جدّ متناسبة، لونها سليم وهي تُسرّ العينين. مع ذلك، بمجرّد سماع بأنه لصّ، فإن روحكم تفرّ منه. وبالعكس، إذ ترى رجلا مسنّا متألما، متّكئا على عصا. يتحرك بصعوبة، وجهه مجعّد: ماذا يمكن أن تجد عنده ما يسرّ عينيك؟ ولكن إذا سمعت عنه بأنه رجل صادق، فإنك تحبه فورا وتشعر بجاذبية نحوه. يا إخواني، هذه هي الخيرات التي وُعدنا بها. هذه هي الخيرات التي ينبغي أن تحبّوها، هذا هو الملكوت الذي يجب أن تسعو نحوه، ينبغي أن تشعروا بالرغبة من وطن الحقيقة هذا ومن هذا الحبّ. أما إذا كنت تنتظر من اللّه خيرات مادية، فلا تزال هنا في الأسفل. انظر إلى نفسك من قبل محبّة اللّه بالنظر إلى الجزاء: ليكن هو نفسه جزاءك. لا تخشى من إرهاق نفسك: ذلك ما سيكون التمتع بالجمال، سيكون دائما أمامكَ ولن تشبع منه أبدا؛ أو، الأحسن، ستشبع دائما ولن تشبع أبدا. لا أدري كيف أعبّر عن نفسي: لن يكون هناك لا ملل ولا جوع؛ ولكن اللّه لديه ما يقدمه إلى أولئك الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، ومع ذلك فهم يؤمنون بما يمكن أن يتلقّوه عنه. (شرح إنجيل يوحنا ٣، ٢١)

١١. اللّه بكليته لك

عند بقاءنا مطولا في الظلام، فإنّ رؤيتنا تضعف بسبب الحرمان المطول للنور. العينان المحرومتنا من غذائهما ومن رعايتهما، تتعبان وتضعفان، لم تعدا قادرتين حتى على رؤية النور. إذن؟ إذا كان اللّه قادرا على منح العينين النور المادي، أفلايمكنه منح أنقياء القلوب النور الذي لا ينطفأ ويظل سالما ولا يزول بأيّ حال من الأحوال؟ لتنفتح عيون القلوب لرؤية النور، لتتّسع أفواه القلوب للشرب من المنبع. أنتَ تشرب ما تراه وما تسمعه. اللّه بكليته لك، هو كل ما تحبّه. إذا أخذت بعين الإعتبار الأشياء المرئية، فاللّه ليس الخبز، ولا هو الماء، ولا هو هذا النور، ولا هو الثوب، ولا هو البيت. هذه الأشياء كلها مرئية وهي متميّزة عن بعضها البعض؛ الخبز ليس الماء، الثوب ليس البيت، وهذه الأشياء كلها ليست اللّه، لأنها مرئية. اللّه بكليته لك: إن كنتَ جوعانا، فهو خبزك؛ إن كنتَ عطشانا فهو ماءكَ؛ إن كنتَ في الظلمات، فهو نورك، لأنه يظلّ نزيها؛ إن كنت عريانا، فيكون لك ملبس الخلود، عندما يرتدي ما هو قابل للفساد ثوب اللافساد وما هو فان يرتدي ثوب الخلود. كل شيء يمكن أن يقال عن اللّه، ولا شيء يمكن قوله بكرامة. لا يوجد غنى أكبر من هذا الفقر. تبحث عن إسم مناسب ولا تجده؛ تحاول التعبير عن نفسك، بطريقة ما أو بأخرى، وكل كلمة تصلح لذلك. (المصدر نفسه ٦، ٢٢)

١٢. يجب أن نعيش جيدا لكي نفهم

انهض، ابحث، تشوّق بشغف، دقّ على الباب المغلق. إذا كنّا لا نشعر بأيّة رغبة، إذا كنّا لا نحس بأيّ اشتياق، إذا كنّا لا نعرف التنهّد، فسيحدث أن نلقي باللؤلؤ إلى أيّ شخص كان ونجد لؤلؤا لنا لا قيمة له. إذن لتكن لي القوة على إشعال الرغبة في قلوبكم أيها الأحباء. الحياة الكريمة ترضى بالفهم، شكل معيّن من الحياة يقود إلى مثال حياة مناسب. الحياة الدنيوية شيء والحياة السّماوية شيء آخر؛ حياة البهائم جدّ مختلفة عن حياة الملائكة. حياة البهائم كلها مرتبطة برغبات المتع الدنيوية، تبتغي فقط أشياء الأرض وهي كلها موجّهة نحوها وملقاة عليها؛ حياة الأرواح السّماوية كلّها سماوية؛ أما حياة البشر ففي الوسط. الإنسان الذي يعيش بحسب الجسد يندمج مع البهائم؛ الإنسان الذي يعيش بحسب الروح يشترك مع الأرواح السّماوية. إذا كنت تعيش وفقا للروح، فاسأل نفسك إن كنت كبيرا أو صغيرا مقارنة بهذه الحياة. إن كنت لا تزال صغيرا، فسيقولون لك: اُنمُ، تغذّ بحليب الإيمان، للوصول إلى غذاء الرؤية. أما من لا يزال متوهّجا بشهوة الملذّات الدّنيئة، فإنه يتأمّل في الخداغ، في الكذب وفي إيمان كاذب؛ كيف يمكن لقلب غير نقيّ، أن يجرأ على التساؤل: "اشرح لي، يا رب، حياتك؟". إذا كنتُ أقود حياة مختلفة تماما عن هذه، فأنا بعيد كثيرا عن هذه الرؤية، سيكون بعيدا أكثر من يكون مثقلا بالرغبات الدنيوية، لا يشعر أبدا بجاذبية نحو الأمور السّماوية. كما أن هناك فرق شاسع بين من يتوق إلى الخيرات السّماوية وبين من يبتعد عنها، بهذا يكون هناك فرق بين من يتوق إليها وبين من يتمتّع بها. إذا كنتَ تعيش مثل البهائم، فإنك تشعر بنفور من الشيء الذي يشكل تمتّع الحياة الدنيوية. أما إذا قرّرت أن لا تعيش مثل البهائم، فإنك ستبدأ بعدم الشعور بالإشمئزاز، ستبدأ بالرغبة فيما لا تملكه بعد: أصبحت تعيش، عن طريق الرغبة، حياة روحانية. إجعل هذه الرغبة تنموا فيك، فتصبح متوهّجا للحصول على ما ترغب فيه، ليس منّي بل من الذي خلقكَ وخلقني. (المصدر نفسه ٧، ١٨)

١٣. سعيد من يكون اللّه في وجدانه

إنّ الذين يتّبعون إرادة ربّهم، ولا يبحثون عن مصالحهم الخاصة بل عن مصالح اللّه، هم مستقيمو القلب وأقدامهم غير مترددة. اللّه صالح معهم، لأني إن كنت لا أملك قلبا مستقيما، فلا أكون معجبا باللّه. من يعيش بكرامة لا يخسر السلام وهو مضطرب؛ يمتلك في أعماق نفسه ما لا يمتلكه أحد آخر، حتى وإن كان سعيدا؛ لا ينزعج، لا يقلق ولا يقنط. من يكون سعيدا في الحياة، يمكنه امتلاك الذهب في علبة الجواهر، أما الآخر فيمتلك اللّه في وجدانه. قارن بين الذهب وبين اللّه، بين علبة الجواهر وبين الوجدان. واحد لديه شيء يمكن فقدانه وبالتالي يتلاشى؛ أما الآخر فلديه اللّه الذي لا يمكن أن يفنى أو يزول، إذا كان حقّا مستقيم القلب. إذن، فهو يدخل في سعادة الخير، ولا يخرج منها. نحن أيضا ينبغي أن ندخل فيها، إذا كنّا نريد العيش. إذا كنا لا نريد التلاشي، فلا ينبغي خداع أنفسنا بأننا مكتفؤون بذواتنا؛ إذا كنّا لا نريد أن نجفّ، فلا ينبغي أن ندعي إشباع أنفسنا بفخرنا الصغير؛ بل يجب أن نقرّب فمنا من المنبع الحقيقي، حيثما لا يمكن للماء أن يزول. (المصدر نفسه ٢٥، ١٧)

١٤. اللّه يمتلك فن التشويق

كل أبناء اللّه سيكونون متعلِّمين من قبل اللّه، لا من قبل البشر. حتى وإن استمعوا إلى صوت الناس، فإنّ ما يفهمونه يبلغوه في حميمهم: هو ثمرة إشراق، وحي باطني. ماذا يفعل الناس في تلميحاتهم لما يرنّ من الخارج؟ ماذا أفعل الآن وأنا أتحدث إليكم؟ أوصل إلى آذانكم صوت الكلمات. إذا لم يكن بداخلكم من يمنحكم الوحي، فسأتكلّم في الفراغ وتكون كلماتي باطلة. مُزارِع الشجرة في الخارج، الخالق في الداخل. من يغرس ويسقي يعمل خارجيا، مثلما نفعل نحن تماما؛ في حين ان اللّه هو الذي يجعلنا ننموا. هذا هو معنى أن نكون متعلّمين من اللّه. وها هي كيفية ممارسة الآب تشويقه: يستميل بتعليمه، دون أن يُرغم أحداً. التشويق هو فن اللّه. أجل، التشويق يخص اللّه وحده. (المصدر نفسه ٢٦،٧)

١٥. المنبع لا يزول

إذا كنا عطشى باطنيا، فإنّ الرب يصرخ لنذهب إليه ولنشرب؛ يؤمّننا، بأننا إذا شربنا أنهارا من الماء الحيّ فإنها ستنساب من صدورنا. صدر الإنسان الداخلي هو وجدان القلب. الشرب من هذه الموجة، يجعل ضميرنا النقيّ منتعشا، والحاجة إلى بلوغه، ستعدُّ له منبعا؛ بالأحرى ستكون في حد ذاتها المنبع. ما هو هذا المنبع؟ ما هو هذا النهر الذي ينبع من صدر الإنسان الداخلي؟ هما المحبّة وعمل الخير اللذان يقودانه إلى الإهتمام بالقريب. إذا ظنّ أحد ان ما يشرب هو له فقط، فلن يتدفّق الماء الحيّ من صدره؛ أما إذا كان قد أسرع في جعل القريب مشاركا فيه، فلأنّ النهر يتدفق ولا يجفّ. وينبغي على كل واحد منّا أن يدرك بحدّ ذاته إن كان يشرب محبة اللّه، وإذا كان يعيش مما يشربه؛ لأنّ المنبع الإلهي لا يتخلّى عنا، إذا لم نتخلّ نحن عنه. (المصدر نفسه ٣٢، ٤)

١٦. نبحث عنه كي نجده، وبعد ما نجده نبحث عنه مرة أخرى

لتكن نظرات نفوسنا حذرة أكثر وعميقة أكثر ولنسع في البحث عن اللّه بفضل عونه. لنبحث عنه كي نجده، ولنبحث عنه مرة أخرى بعد ما نجده. يجب البحث عنه لنجده، لأنه مخفي؛ وبعد ما نجده، ينبغي البحث عنه ثانية، لأنه عظيم. إنّه يُشبع من يبحث عنه إلى درجة امتلاكه؛ ويزيد في قدرة من يجده، فيبحث عنه مرة أخرى ليمتلئ به أكثر، مع قدرته المتزايدة في امتلاكه. لذلك، عندما ينتهي الإنسان من البحث، هنا يتمّ البدأ! يجب علينا أن نبحث دائما، حتى يتسنى لنا بلوغ تلك الحياة التي سنكون فيها مملئين، بحيث، لا يصبح واجبا على قدرتنا أن تنمو: سنصبح مثاليين، بحيث لن تكون لدينا حاجة إلى أن نتحسّن. سيتبيّن لنا إذن، ما يكفينا، ولكن في هذه الأرض يجب علينا أن نبحث دائما: لن تُظهر النتيجة أبدا نهاية بحثنا. لن يكون دائما كذلك، لكن فقط ما دمنا موجودين هنا في الأسفل: في هذه الحياة، لا نتوقف أبدا عن التّعلم؛ أما في العلى، فلن يكون لدينا ما نتعلّمه لأنّنا سنرى الحقيقة. لنسير دائما على هذا السبيل، طالما لم نصل إلى ما تقودنا هذه الحياة إليه هناك؛ لا نتوقف أبدا عن هذا الطريق، طالما لم يوصلنا إليه هناك أين سنقيم. وهكذا، بالبحث نتقدّم، وعندما نجد نبلغ مرحلةً؛ بالبحث عنه وبإيجاده سنبلغ الهدف، وأخيرا ستكون هناك نهاية البحث، حيث لن يعود الكمال بحاجة إلى تقدّم. (المصدر نفسه ٦٣، ١)

١٧. بمعرفة الحقيقة، نحن نتكيّف معها

لا يمكن تغيير الحقيقة: يجب علينا أن نغيّر أنفسنا لنتكيّف معها. لا يمكننا الإعتماد على معرفة شخص من وجهه، بل يمكننا القول إننا نعرفه عندما نعرف حياته وعاداته. وإلاّ فلن يتمكّن أحد من معرفة حتى نفسه، إذا كان من الضروري رؤية وجهه الخاص. وعلى العكس من ذلك، فإنه يمكن لأحد معرفة نفسه أفضل من أيّ شخص آخر، يعرف نفسه أحسن من أيّ كان، بالتأكيد عن طريق نظرته الباطنية، التي تمكّنه من رؤية ما يفكّر فيه، ما يرغب فيه وما يشكل حياته. عندما يتسنّى لنا معرفة كل ذلك، لن يصبح ذلك الإنسان مجهولا بالنسبة لنا. وبما أنه في كثير من الأحيان الشهرة أو الكتب هي التي تعرّفنا بالغائبين وبالأموات، فغالبا ما يحدث أن نحبّ أو نكره أناسا لم نر قط وجوههم، ولكن ليس لهذا السبب هم مجهولون. (المصدر نفسه ٩٠، ١)

١٨. الرغبة تضخّم قدراتنا على الإستقبال

ماذا سنكون عندما سنتمكن من التمتع برؤية اللّه؟ بماذا وُعدنا؟ سنكون شبيهين به، لأنّنا سنراه على حاله. لم تتمكّن اللّغة من التعبير عن حالها بشكل أفضل، أما الباقي فتصوّروه بالعقل. ما هذا الوحي الذي أوحي به إلى الإنسان مقارنة بالذي هو لامتناه؟ نحن مخلوقات غير متكافئة إطلاقا مع عظمته، نحن بحاجة إلى ذلك الإشراق الذي يعلّمنا باطنيا ما لا نستطيع التعبير عنه بالكلمات. بما أنّكم عاجزين الآن على مشاهدة هذه الرؤية، فأنتم ملزمون على الرغبة فيها. حياة الإنسان كلّها رغبة مقدّسة. لكن إذا كان شيء واحد هو موضوع الرغبة، لا يمكن رؤيتها بعد، فمن خلال رغبتك، أنت تتّسع، بحيث، عندما تبلغ الرؤية فإنك تصبح قادرا على أن تكون مملوءا. لنفرض بأنه يجب عليك ملء كيس كبير وتعلم أنّ ما ستحصل عليه ضخم جدا؛ فإنك تقلق لتوسيع الكيس أو الزجاجة قدر استطاعتك. تعلم كم ينبغي وضعه بالداخل وترى بأنه صغير جدا؛ بتوسيعك له تجعله أكثر قدرة. وبالطريقة نفسها، فإن اللّه، بتوقعه، يوسّع رغبتنا وبالرغبة يوسّع الروح وباتساعه لها يزيد في قدرتها. يا إخواني، لنعش، بالرغبة، لأننا يجب أن نكون مملوئين. كل إنسان أصيل يكون ممتدا نحو الأمام ويتوق بكليته إلى غايته. فحياتنا تتضمّن هذا: أن نتمرّن بالرغبة. إذا أبعدنا رغباتنا عن حبّ العالم، سنكون منتعشين أكثر من قبل هذه الرغبة المقدسة. لكن لنتذكّر أنّ الإناء ينبغي أن يكون أولا فارغا وبمشقةٍ، نقيّاً من كل شر، لأنه يعمل على استقبال هذا الواقع الغامض والمتعذّر وصفه. كل ما نقدر على قوله أو فعله، هو تحت الواقع: لنتّسع، مع رغبة اللّه، حتى يتمكّن من ملئنا، عندما سيأتي إلينا. (شرح رسالة يوحنا الأولى ٤، ٦)

١۹.تعدوا الرغبة على خيط الرجا

قبل الوصول إلى الإمتلاك الكامل والنهائي للّه، يتمتّع الإنسان المنصف بالرب ابتداء من الآن في الرجاء. حتى في الأشياء الزمنية، هناك أناس كثيرون يحبّون أشياء معينة واقعية دون أن يبلغوها، بفرحة ليست دائما خالصة بل مريضة. شوق الرغبة يعدوا على خيط الرجاء. اللّه اللاّمتناه نحبه رجاءً في الوصول إليه في نهاية الحياة. وسنحبه أكثر عندما سنراه، كذلك إذا عرفنا كيف نحبّه قبل أن نراه. (موعظة ٢١، ١)

٢٠. تشابهنا مع اللّه

إلى متى، أيّها الإنسان، تلفّ لاستكشاف المخلوقات؟ عُد إلى نفسك، وجِّه أنظارك إلى نفسك، أنظر إلى نفسك؟ تفحّص نفسك! أنتَ الوحيد الذي خُلقت من قِبل اللّه على صورته ومِثاله. إذن باستطاعتك البحث في نفسك عما هو أكثر حميمية فيك وعما هو أفضل من جميع الكائنات المخلوقة. سأبحث، لكن ابحثوا مثلي أنتم أيضا؛ لا أن أبحث فيكم ولا أن تبحثوا في، بل أنتم تبحثون في داخلكم، وأنا في داخلي. لنبحث معاً بالنظر في عمق طبيعتنا المشتركة وجوهرنا الروحي. (المصدر نفسه ٥٢، ٦، ١٧)

٢١. أنت متسوّل اللّه

يا أخي، اعمل الخير و سيُردُّ لكَ؛ افعله مع الآخرين كي يفعلوه لك. في الحقيقة، إنك في الوفرة وفي الحاجة: غنيّ بالخيرات الزمنية، بحاجة إلى الخيرات الأبدية. إسمع صوت متسوّل، ولكن أنت نفسك متسوّل اللّه. يسألونك، لكن إسأل أنت أيضا. وعلى هذا النحو، سيتعامل اللّه أيضا مع الذي يسأله. أنت ممتلئ وفي الوقت نفسه فارغ؛ إملأ بكمالك من هو فارغ، كي يتم ملء فراغك بكمال اللّه. (المصدر نفسه ٥٣، ٥)

٢٢. الحب هو ثقل الجاذبية

هناك أشياء في العالم نسيئ حبنا لها وهي تشوّه من يحبها. الحبّ المُحرَّم هو تدنيس كبير للنفس وثقل يسحق من يرغب في أن يطير. مثلما تخطف المحبة المنصفة والمقدسة الروح نحو الأعلى، هكذا يُنزلها الحبّ الغير الطاهر والمنجّس نحو الهاوية. في الواقع، إن كل واحد مدفوع هناك أين ينبغي أن يحمله ثقله، يعني حبه الخاص. هو ليس مدفوعا إلى ما لا ينبغي أن يُدفع إليه، بل إلى ما يتطلّب ذلك. إذن، من يحبّ الخير فسيُنقل نحو الخير الذي يحبّه. هل ترغب في أن تكون حيثما يكون اللّه موجودا؟ أحبه، وسينقلك هذا الثقل حيثما هو موجود. ما يجرّك ويخطفك نحو الأعلى لا يسمح لك بالوقوع في الأسفل. لا تبحث عن أية وسيلة أخرى للصعود نحو الأعلى: بالمحبة ترفع نفسك، بالمحبة تُنقل إلى الأعلى، بالمحبة تصل إلى الهدف. (المصدر نفسه ٦٥A، ١)

٢٣. أنحبّ خيرات عديدة أم الخير الوحيد والحقيقي؟

نحن محاصرون من أصوات حبنا المتنوع الذي يعاكس شريعة اللّه. إنه يفتن ويمنع من يرغب في أن يطير من كل الأنحاء، تجبرنا الوقائع المرئية على أن نحبّها في كل مكان. لا ندع أنفسنا مجبورين، لنحكم عليها بما هي عليه، ولا نتركها تتغلّب علينا. يغرينا العالم بتنوع جمالاته المتعددة. لا يمكن عدّ ما يُظهِر الحبّ المُحرم منها إلى الروح كل يوم. لكن بحبّ الخير الوحيد نتغلّب على حبّ الخيرات المتعددة. الإنتصار على حبّ الخيرات الكثيرة يتطلب بالضرورة حبّ الخير الوحيد؛ الحبّ الوحيد الصالح ضد كل الخيرات السيّئة. لأن الوحدة تفوز على التنوع والمحبة تفوز على الجشع. مثل هذا كان يقول: من يعطيني الأجنحة كي أطير وأجد الراحة؟ من يحبّ الوطن، يجد مرارة حتى في منفى لذيذ من بين الأشياء التي تستدعي أن نحبها. إنه لأمر مؤسف حقا عدم الحصول على ما نحبّ. في الواقع، ليس لدينا ما نحبّ؛ ولكن لدينا ما يمكن أن نحبه، ولكن ليس لدينا ما بدأنا بحبه. ما قيمة أن ما يمكن أن نحبه يكون حاضرا، عندما يكون ما نحبه غائبا؟ إنه لعذاب للقلب عندما نحب شيئا لا نمتلكه. كل الأشياء تُستعمل، لكن واحدة منها فقط يجب أن تكون محبوبة. أما بالنسبة للأخرى فإنها تُستخدم على وجه الخصوص للوصول إلى ما نحبه. (المصدر نفسه ٥٦A، ٢)

٢٤. لا شيء يُقارن بالخالق

طلبتُ من الرب شيئا واحدا فقط: أن أسكن بيته. لنقله نحن أيضا إذا استطعنا، لنقله كيفما استطاعتنا، لنقله بكل ما في وسعنا. لاحظوا كم هو سعيد القلب الذي بإمكانه أن يقول مسبقا هذه الجملة في باطنه، بحيث لا يسمعها إلاّ من وجّهها له. للأسف، كثيرون هم الذين يقولون في الخارج ما ليس في الباطن، لأنهم يتباهون بما هو خارجي، وليس بما هو في القلب. أنظر إذن إلى كل واحد منّا كم هو سعيد القلب الذي يقول، من أعماق قلبه، للرب أن يسكن حيثما يكون موجودا. ها هو الشيء الوحيد، وكم هو صالح! هذا الشيء الوحيد هو ذو قيمة حقا مقارنة بأشياء أخرى. إذا كان لديك قليل من الشعور الطيّب، وإذا كنت تبحث عنه وتعرف كيف تشعل الرغبة المقدّسة لأجله، فلتقدّر هذا الشيء الوحيد بالمقارنة مع الأشياء الأخرى. إستند إلى ميزان العدل: ضع على طبقٍ الذهب، الفضة، الأحجار الكريمة، الشرف، الكرامة، السّلطة، النبل، الثناء البشري: ضع عليه العالم كلّه. أنظر إذا كان هناك تناسب بين هذين الشيئين: العالم كله من جهة، ومن جهة أخرى خالق الكون. هل بإمكانك تقييم الواقع؟ الذهب يقول لي: أحبني. ماذا يقول لي اللّه؟ ستُستخدم بحيث لا تمنعني وتفصلني عنك. أحبّ الخالق: ما خلقه خيّر، ولكن من خلقه هو الأفضل! لا أرى بعد جمال الخالق، ولكن فقط الصورة الشاحبة للمخلوقات. أومن بما لا أراه، بإيماني أحبه، بمحبتي أراه. فلتكف إذن عن إغرائي الأشياء التي مُقدّر عليها الفناء. أسمع صوتا واضح أكثر أريد اتّباعه، لأنه قادر على إثارتي أكثر، على تهيّجي أكثر، على إشعالي بشوق حميمي أكثر. لم أعد أستمع إلى دويّ الأشياء الدنيوية. (المصدر نفسه ٦٥A، ٣ ـ ٤)

٢٥. أسأل اللّه عما هو نافع حقاً

خيرات الحياة صنفان: زمنية وأبدية. الخيرات الزمنية هي الصحة، سبل المعيشة، الإلتزامات، الأصدقاء، البيت، الأطفال، الزوجة: كل ما توفره لنا الحياة خلال رحلة حجنا إلى اللّه. لنعتبر أنفسنا كحجاج في مسكن هذه الحياة، مقيمين فقط، لا كمالكين قاصدين البقاء فيها إلى الأبد. أما الخيرات الأبدية فهي الحياة الأبدية نفسها، اللافساد، خلود الجسد والنفس، المدينة السّماوية التي يسكنها جميع الأخيار، مكافأة غير قابلة للفساد، أب لا يعرف الموت، موطن لا يعرف أعداء. لنرغب في هذه المنافع بكل ما للنفس من شوق، لنطلبها بمثابرة، ليس بكلمات عديدة ولكن بأنين صادق. حتى وإن كانت اللغة صامتة، فإن الرغبة تصلي دائما. إذا كنت ترغب دائما، فصلي دائما. متى تغفوا الصلاة؟ عندما تبرد الرغبة. لنتضرّع إلى النعم الأبدية بكل ما لدينا من رغبة، لنبحث عن تلك الخيرات بكل ما لدينا من قوة، لنطلبها وستكون مستجابة بالتأكيد. صليت ولم يتقبّل اللّه ما طلبته؟ ثق بالآب، الذي كان من شأنه أن يمنحه لك ، لو كان ذلك مفيدا. (المصدر نفسه ٨٠، ۷)

٢٦. ننتقل من الزمن إلى الخلود

إبحثوا عن اللّه بتواضع وعن الخيرات الحقيقية للحياة. اعثروا عليها، ستصلون إلى الأعالي الآمنة. لتكن البراءة طفولتكم، الإحترام حداثة سنّكم، الثبات مراهقتكم، القوة شبابكم، الأعمال الخيّرة مرحلة نضجكم، الفطنة الخبيرة والحكمة سن شيخوختكم. لا تتحولوا خلال مراحل أو خطوات العمر هذه، بل تجدّدوا حتى وإن بقيتم على حالكم. الأعمار الفردية لا يُبدّل بعضها البعض، بل تتعايش في النفس التقية والبارة. إنّها تقودك إلى العمر السابع، ذلك العمر الأبدي للراحة والسلام الدائم. وهكذا، تكون محرّرا ست مرات من فتن عمر مائت، في العمر السابع لن تمسّك الشرور. في الواقع، لن تزعجنا الأشياء التي لن تكون، ولن تقدر على التسلّط عندما لن يصبح بإمكانها التجرّأ. في العلى سيكون الخلود آمنا، والأمن أبديا. (المصدر نفسه ٢١٦، ٨)

٢٧. جراح المحبة

أيّها الأحباء، إذا كان قلبكم باردا حتى الآن، فليقرأ وليحبّ؛ إذا كان لا يحبّ بعد، فليتلقّ في القلب أسهم الحقيقة والمحبة. قيل عن الرب: إن أسهمك الحادة لا تُقاوَم؛ تقع تحتك الشعوب. لكنها حميدة هذه الجراح. جرح المحبة يُحيي. ومتى يُشفى هذا الجرح؟ عندما نرغب في راحة الخيرات الأبدية. يُقارن استمرار رغبتنا بوباء، لا نمتلكه بعد. بما أنّ المحبة لديها هذه الخصوصية، وهي أن الألم يعيش إلى جانبها. فبمجرد الوصول إلى الهدف، عندما سيتحقق التملك، سيزول إذن الألم، بينما تبقى المحبة على حالها. (المصدر نفسه ٢٩٨، ٢، ٢)

٢٨. التواضع ينقص المسافة بيننا وبين اللّه

إن الناس، باعتبارهم بشرا لا غير، يفهمون بسهولة فائدة وأهمية التواضع. اللّه يقاوم المتكبرين، بينما يمنح المتواضعين نعمته. نعلم جيدا أن من يمدح نفسه سيكون مُحتقراً، من يتواضع سيكون ممجّدا. المتكبّر يمدح استحقاقاته، المتواضع لديه الشجاعة على الإعتراف بشقاءه وبأخطائه. في العالم المرئي، لبلوغ مناطق مرتفعة، يجب علينا من دون شك أن نحمل ذواتنا نحو الأعلى؛ أما اللّه، الذي هو السّمو الأعلى فإننا نصل إليه عن طريق الإنحناء في التواضع، وليس عن طريق النهوض بافتخار. اللّه يراقب كل شيء وكل الأشخاص: المتواضعين ليرحّب بهم، المتكبّرين لينبذهم. اللّه وحده، هو وحده، ليس بمتكبّر، كم عظيم تسبيحه الذي يكون به ممجدا. لا تظن إذن أن الكبرياء بإمكانه أن يختفي عن أنظار اللّه لأنّ اللّه يعرف الأشياء المترفّعة، ولا تعتقد أن سموّك مماثل لسموّ اللّه. إذن من يرفض تواضع التوبة، فهو لا يريد الإقتراب من اللّه: التصاعد إلى اللّه شيء، الترفّع ضده شيء آخر. من ينحني أمام اللّه، يكون مترفّعا من قِبَله؛ من يعلوا عليه، يكون منبوذا من قِبَله. متانة العظمة الحقيقية شيء، سخافة كبرياء فارغ شيء آخر. من ينتفخ من الخارج يفسد من الداخل. أما من يختار البقاء متواضعا على عتبة بيت اللّه، فقد اختاره اللّه ليسكن في مدخله، في حين لا يدّعي لنفسه شيئا. وهكذا يُدخله المقر المبارك. لهذا ننشد بكل حلاوة وحقيقة أسمى: طوبى للإنسان المُرحّب من قِبَلكَ، يا رب. لا تعتقد أنّ المتواضع يكون دائما في الأسفل، بل سيكون ممجّدا. ولكن لا تعتقد أنّ هذا النوع من التّمجيد يظهر أمام عيون الناس، لسمو دنيوي. الكلمات المذكورة سابقا تتضمن وتكشف عن مستوى السّمو الروحي لهذا الترحيب. إذن أين هي واقعة بداية هذا التصاعد؟ من أعماق قلب الإنسان إلى غاية قلب اللّه. سينقذنا الذي يرفع من يكون واقعا، يحرّر السجناء، يعيد البصر للعميان، يمنح نعمته للكل! (المصدر نفسه ٣٥١، ١، ١)

٢۹. نسأل، نبحث، ندقّ

كلنا بحاجة إلى نصائح حول كيفية الوصول إلى تغذيتنا عن طريق المعونة الإلهية. لا ينبغي أن تتصور بأنّ اللّه لديه باب حقيقيّ وخاص به يغلقه في وجه البشر، وأنه طلب منا أن ندق عليه إلى غاية أن يقرر بنفسه فتحه لنا. ليس كذلك، بل شيئا من هذا القبيل. لقد وضّح بالتحديد ما ينبغي علينا فعله: إسأل، إبحث، دق. تسأل بالدعاء، تبحث بالدق، تدق بإعطاء الصدقة. لا تتوقف أبدا عن استخدام يديك فى هذه الطرق الثلاثة. (المصدر نفسه ٣٨٩، ٢)

٣٠. حكمة اللّه

يا إخواني، كل من ينتمي للإنسانية، يجب عليه أن يسعى كي يكون الرب معظّما معه. كل من يقوم بهذا، يحبّ الرب. وبأي شكل يحبه؟ يحبه دون أن يغار من أولئك الذين يحبونه معه. سنرى اللّه يوما ما وجها لوجه: كلّنا سنراه ولا أحد سيكون غيورا. سيظهر للكل. حقيقته وحكمته سالمتان، طاهرتان للكل. هم متغيّرون فيها، وهي غير متغيّرة فيهم: هي الحقيقة، هي اللّه نفسه. ماذا نقول أيضا أيها الإخوة؟ أولئك الذين يحبون اللّه يستحون، ولكنّهم يغارون من الآخرين. فاشعلوا المحبة فيكم، اصيحوا جميعا: عظّموا معي الرب. ليكن فيكم هذا التّوهج. إذا كنتم تحبون اللّه، فاخطفوا إلى محبة اللّه جميع من ينظمّ إليكم ويسكن بيتكم؛ إذا كنتم تحبون الأسرة البشرية بكاملها، فاخطفوا جميع البشر إلى محبة اللّه ليسعدوا بها معكم. (عرض المزمور ٣٣، II، ٦)

٣١. الرغبة هي الدعاء

لتكن رغبتك أمام اللّه والرب، الذي يرى في الخفاء، سيستجيبها. رغبتك هي صلاتك؛ إذا استمريت فهي الرغبة، إذا استمرت فهي الصلاة. بالإضافة إلى الصلاة الخارجية، هناك صلاة أخرى باطنية لا تعرف انقطاعا، وهي الرغبة. مهما فعلت، إن كنت ترغب في اليوم الأبدي، فلا تتوقف أبدا عن الصلاة. إذا كنت لا تريد أن تترك الصلاة، فلا تكف أبدا عن الرغبة. رغبتك المستمرة ستكون صوتك المتواصل. إذا انقطعت عن المحبة فإنك ستصمت. برود المحبة هو سكون للقلب؛ شوق المحبة هو صياح للقلب. إذا كانت المحبة دائمة، فإنك تصرخ دائما؛ إذا كنت تصرخ دائما، فإنك ترغب دائما؛ إذا كنت ترغب، فإنك تتذكر السلام. يحصل أن تقصد أمام من يردد زئير قلبك. أنظر جيدا بأية رغبة يجب أن تُظهر بها نفسك أمام أنظار اللّه. إذا كانت الرغبة موجودة داخل القلب، فهناك أيضا أنين المحبّة؛ لا يصل دائما إلى آذان الناس، ولكنه لا يبقى أبدا بعيدا عن آذان اللّه. (المصدر نفسه 37، ١٤)

٣٢. صوت اللّه في أعماق القلب

من يزداد معرفة يزداد ألما. في الواقع، كلما رغبت أكثر في الشيء الذي ينقصني، كلما زادني أنينا طالما إني لا أحصل عليه؛ وكثيرا ما بكيت طالما إني لا أتبعه. كلما عانيت أكثر، كلما انفجرت الفضائح بشكل متكرر، يكثر الظلم، يتجمّد الإيمان ومحبة الآخرين، إذن أقول للرب: استجب صلاتي وتضرّعي؛ أوصل آذانك إلى دموعي. لا تصمت معي؛ لئلا أصبح أصمّا للأبد. سأسمعك في حميمي، لأن اللّه يتكلّم في سر القلوب. إنه يتحدث مع كثيرين في أعماق قلوبهم؛ عظيمة نغمتك في الصمت العميق للقلب، عندما يقول بصوت عال: أنا خلاصك. قله كذلك لنفسي: أنا خلاصك. لا ينبغي أبدا أن ينطفئ هذا الصوت في وجداننا. (المصدر نفسه ٣٨، ٢٠)

٣٣. أطلب الحياة الأبدية

يتساءل الإنسان الحكيم: ماذا ينبغي عليّ أيضا أن أطلبه في الصلاة، إذا كان يجب عليّ أن أهجر هذه الأرض؟ مما تحررك الصلاة، إن لم يكن من الخوف الذي بسببه ومن أجله تقول: حررنى من الشر الذي ارتكبته، تقبّل الخير الذي فعلته، ليكن ضميري في سلام. بهذه الكيفية يقيّم ضمير الإنسان متانة الوجود واللاوجود. في الواقع إنه يرى نهاية الحياة الأرضية، لأنه يستطيع ذلك بقلبه وهو قادر على ذلك عن طريق إبداع عقله، تلك النهاية التي يرغب دائما في الحصول عليها أمامه. وهكذا فإنه يتعلّم أن يعدّ قيمة أيامه مقابل الخلود. يرى عدد أيامه، ما مر منها وما يمر الآن؛ يدرك أن كل ما هو موجود هنا، هو غير ثابت مقارنة بذلك الكائن الأبدي. هذا الأخير باق أما الآخر فهو متغيّر، فان، ضعيف. لقد شعر بتلك الحالة الطوباوية، ذلك الموطن الطوباوي والبيت الطوباوي، حيث يشارك الأخيار في الحياة الأبدية والحقيقة الثابتة. يخشى من الخروج عن هذا الواقع، حيث لا يوجد وجود، لأنه يرغب في البقاء هناك حيث يوجد الوجود الأسمى. من يذهب في اتجاه معاكس لما هو موجود حقيقة، فهو يذهب إلى ما هو غير موجود. (المصدر نفسه ٣٨، ٢٢)

٣٤. أسرع إلى منبع الحياة

مثلما يتوق الغزال إلى منابع المياه، كذلك نفسي تتوق إليك، يا اللّه. كل إنسان، إذا أراد، فبإمكانه التعبير عن هذه الرغبة المقدّسة. من يقول هذه الأشياء؟ إذا أردنا ذلك، فنكون نحن. وما الشيء الذي تبحث عنه خارج حالتك، عندما يكون في وسعك أن تكون ذلك الشيء الذي تبحث عنه؟ أنا شخصيا مقتنع بأن مثل هذه البذور منتشرة في جميع أنحاء العالم، وأن هذا الصوت هو صوت الوحدة للأسرة البشرية كلها. هذا الصوت هو أقوى عند أولئك الذين هم واعين برحلة حجهم إلى هدف الخلود؛ وكلّما ساروا، ازداد توهّجهم بشوق أكبر. تعالوا يا إخوة، اجعلوا جشعي جشعكم، شاركوني هذه الرغبة: لنحب معا، لنحترق معا لهذا العطش، لنسرع معا إلى مصدر كل معرفة. لنتق إلى منبع الحياة الإلهية كالغزال. اللّه هو نفسه المنبع والنور، لأننا سنرى في نوره النور. إذا كان المنبع، فهو أيضا النور، وهو حقا العقل الذي يشبع النفوس المتلهفة للمعرفة أيضا؛ وكل من يفهم يكون مستنيرا ببعض من النور اللامادي، اللاجسدي، اللاخارجي، من النور الباطني. أسرع إلى المنبع، لترغب في منابع المياه. منبع الحياة هو أن تكون بقرب اللّه، منبع لا يفنى، في نوره نور لا يظلم أبدا. لترغب في هذا النور وفي هذا المنبع؛ إنه نور لم تعرفه عيناك أبدا؛ برؤيته تصبح العين الباطنية مخترقة، بالشرب من هذا المنبع يصبح العطش الباطني متوهّج أكثر. اسرع وتق إلى المنبع، ولكن لا تسرع عشوائيا، لا تسرع كأيّ حيوان: اسرع مثل الغزال. ماذا يعني هذا؟ لا تكن بطيئا في الجري، كن سريعا مثل الغزال، تق فورا إلى المنبع. (المصدر نفسه ٤١، ١ ـ ٢)

٣٥. صورة اللّه منقوشة في النفس

أيها الإخوة، تذكروا أن اللّه خلقكم على صورته ومثاله. هي موجودة في الحميم، وليس في الجسد، ليست في الأذنين، في العينين، في الأنف، في اليدين أو في القدمين؛ ومع ذلك فهي موجودة. أين الذكاء، أين الذهن، أين العقل الذي يبحث عن الحقيقة، أين الإيمان، أين رجائكم، أين محبّتكم، هناك وضع اللّه صورته؛ وهناك تفهمون وترون أن كل هذه الأشياء عابرة، أما أنتم فقد خلقكم من أجله. (المصدر نفسه ٤٨، II، ١٢)

٣٦. زوال الزمن

غالبا ما يختلي الإنسان في حميمه ويبحث في أعماق روحه. ماذا يفعل؟ يتأمل في أصل حياته وأصل العالم: أمر سليم بالنسبة له. لاحظوا، من فضلكم، فيما يفكر؟ هو في حميمه ويفكر بينه وبين نفسه في الأيام القديمة. نتمنّى بعون اللّه أن يكون حقيقة بخير في باطنه: فكِّر أيضا في "الأيام القديمة" وأخبرنا عما فعله في قلاّيته الباطنية، أين أرسى، ماذا اجتاز وأين توقف. الأيام القديمة هي السنوات الأبدية. إنه تأمّل كبير، يتطلب الصّمت التام! بعيدا عن أيّ ضجيج خارجي واضطراب أمور البشر، تجد الراحة في حميم من يريد أن يفكر في السنوات الأبدية. قد تكون أبدية السنوات التي نعيش فيها وعاش فيها أجدادنا أو التي سيعيش فيها أحفادنا؟ حاشا أن نعتبرها أبدية. ماذا نملك من هذه السنين؟ هي سنوات متغيّرة؛ في حين أن السنوات الأبدية ببساطة موجودة، لا تنقضي مع ذهاب وإياب الأيام، لا تزول أبدا. تدوّي الدعوة في الصمت الباطني لتحضيرنا لتلك السنوات الأبدية: لسنا إلا من أجل ذلك الواقع فقط. (المصدر نفسه ٨٥، ٨)

٣۷.لا تفتضح إذا رأيت الآثمين مفلحين

إخواني، ليس هناك بحر أعمق من فكر اللّه، عندما يجعل الأشرار يفلحون والأخيار يعانون. لا شيء عميقا أكثر. يغرق فيه من لا يرى الأشياء أمام خلود اللّه. أين فكر اللّه؟ الآن يرخي العنان، لكن بعد ذلك يسحبه. لا تفرح، كالسمك الذي يتلذّذ في إيجاده الطَّعم. الصياد لم يسحب بعد صنارته، بينما هي موجودة في فم السمك. إنّ الحياة التي تبدوا لك طويلة، هي قصيرة: كل شيء هنا يمرّ بسرعة. ما هي حياة الإنسان، حتى وإن كانت طويلة مثلما نريدها، مقارنة بخلود اللّه؟ أتريد أن تكون صبورا؟ انظر إلى خلود اللّه. إذا نظرت إلى أيامك القليلة، فتودّ أن كل شيء يتحقق في فترتها القصيرة. ترغب في إدانة جميع الكفار وتتويج جميع الأخيار. كيف يمكن تنفيذ كل هذا خلال تلك الفترة الوجيزة؟ اللّه يحققه في وقته المناسب. لماذا تريد أن تكون عديم الصّبر وتجعل الآخرين غير صبورين كذلك؟ اللّه خالد، يعرف الإنتضار وهو طويل الأناة! تقول: للأسف أنا لست صبورا، لأن لديّ حياة قصيرة. لكن في وسعك أن لا تكون كذلك: ضمّ قلبك إلى خلود اللّه وستكون خالدا معه للأبد. كل الأشياء تجف وتذبل، عدا كلمة اللّه، لأنها تبقى إلى الأبد. يٌبدل العشب، يمر مجد العشب؛ أما أنت فلديك كلمة الرب التي تضمّك بشدة. قل للرب: يا لأفكارك العميقة بصورة رائعة. يحتفظ اللّه بكل شيء لحكمه. الأخيار يعانون لأنهم يُعاقبون كالأبناء؛ أما الأشرار فهم مبتهجون لأنهم يُدانون كالغرباء. من لا يرى ذلك فهو أحمق وسخيف. لديه عينان ليرى بهما ما يعانيه، ولكنه لا يرى ما هو محفوظ له. (المصدر نفسه ٩١، ٨)

٣٨. الأيادي الخفيّة للرغبات

من خلال الأعمال الرائعة لإله الكون، المعروفة جدا عند أولئك الذين يتأمّلونها، بإمكاننا إدراك بسهولة الصفات الخفية للّه. في الواقع نحن نرى البناء الضّخم للعالم، المشكّل من السّماء، الأرض وغيرها من الأشياء التي لا تعدّ ولا تحصى؛ إذاً، بدءا من عظمتها وجمالها، نحن مدفوعون إلى أن نحبّ ـ حتى وإن كنّا لا نراها بعد ـ عظمة وجمال الخالق اللّذين لا يقدران بثمن. إذا كنّا لا نستطيع أن نتأمّله بقلوبنا النقية، فرغم ذلك، لم يتوقف عن وضع أعماله أمام أعيننا بحيث، بالنظر إلى الأشياء التي يمكن رؤيتها، نتعلّم أن نحبّ الذي لا نستطيع أن نراه: بفضل هذه المحبة، يمكننا رؤيته يوما ما. مع ذلك، ينبغي البحث عن المعنى الروحي في جميع الأشياء، وللكشف عنه ستساعدنا رغباتكم المتوهّجة، التي تبدو لنا أيادي خفية، والتي بإمكانكم عن طريقها أن تدقّوا على باب خفي، لأنه يٌفتح لكم بخفاء ويمكنكم الدخول بخفاء ونيل الخلاص بخفاء. (المصدر نفسه ١٠٣، II، ١)

۳۹. حكمة اللّه مصدر الحياة، النور والتوهّج

هناك حديث واحد فقط عن حكمة اللّه لمخلوقاته: يتكلّم عن طريق الخلق، يتكلّم في القلوب، يتكلّم في الوجدان. من يعرف حكمته، تكون له الحكمة كنور؛ من لا يعرفها، تكون الحكمة له دائما كإبداع، حتى وإن كان محاصرا في جهله. كل إنسان مدعو للحصول عليها كإبداع ونور. أولئك الذين يعترفون في أنفسهم بصورة اللّه، يرفعون أذهانهم ليس تجاه أنفسهم بل تجاهه: النور الذي يصدرون عنه والمصدر الروحي للتوهّج المليئ بالمحبة. المقربون منه منتعشون ومستنيرون، المبتعدون عنه مبردون وهم عُمى. ليست الحكمة الإلهية محرمة على الطبيعة البشرية، بل فقط على التهاون. لقد منحنا هبة الوجود، يمنحنا أيضا هبة أن نكون حكماء وأخيار. من يجد اللّه، يجد نفسه. (المصدر نفسه ١٠٣، ٤، ١ ـ ٣)

٤٠. في الفكر ينضج الخير والشر

نقترب من اللّه أو نبتعد عنه في فكرنا. كل فعل، حسنا كان أم سيّئا مصدره الفكر، وكل شخص يكون بريئا أو مذنبا في فكره. الفكر المقدّس يخلّصك؛ سيفحص أفكار الكفار فحصا دقيقا. تشهد عليه الأفكار التي تكون مُتهمة أحيانا وأحيان أخرى مُدافعة. أين بإمكان الإنسان أن يكون سعيدا إذا كان شقيا في فكره؟ أو كيف لا يمكنه أن يكون شقيا في فكره الواحد والمنحط؟ في الحقيقة إن الخطيئة تعاسة كبيرة. بحيث يُقال عنها الكثير: ليرتبك الأشرار، الذين يعملون بارتكابهم أشياء باطلة، يعني، الفراغ، تماما كالمنحطّ. (المصدر نفسه ١١٨، ٢٤، ٦)

٤١. نصعد من عمق الوادي نحو اللاّنهاية

الحياة كلها عبارة عن تصاعد، نقوم به عن طريق القلب تجاه اللّه، بدءا من وادي الدموع، أي من التواضع والمعاناة. لا يجلب لنا التصاعد أية فائدة، إذا لم نكن قبل كل شيء متواضعين، بتذكّرنا بأن صعودنا يبدأ من الوادي. كما أن الجبال والتلال مناطق مرتفعة من الأرض، كذلك الوديان مناطق واقعة في الأسفل. إذا كنا ننسى من أين يبدأ التصاعد، فربما نحن نرغب في مجد متسرّع ليس في محلّه، لذلك، فبدلا من أن نتصاعد، نحن نسقط. ينبغي التصاعد من وادي الدموع الذي تعلّمنا إياه الحياة نفسها: الشر سهل، والخير صعب. (المصدر نفسه ١٢٠، ١)

٤٢. نصعد إلى اللّه بقلب نقيّ عن طريق المحبة

عندما يُلهب الحبّ الغير النقي قلبا، فهو يدعوه إلى الرغبة في أمور الدنيا والبحث عما هو مقدّر عليه بالفناء؛ إذن يقود النفس إلى هلاكها: يلقي بها إلى الأسفل، يُغرقها في أعماق هاوية الشر. وهي بالمثل المحبة المقدسة. هذه الأخيرة ترفع إلى أشياء السّماء، تُشعل الخيرات الأبدية، توقظ النفس لتتوق إلى الأشياء الثابتة والخالدة، ترفع الإنسان من أعماق الجحيم إلى أعالي السّماء. باختصار، كل محبة هي موهوبة بقوتها، وعندما تكون في قلب مُحب، لا يمكنها أن تبقى خاملة فيه: يجب أن تدفع بالضرورة إلى العمل. أتريد معرفة نوعية حبكم؟ انظر إلى ماذا يدفعك. أيها الإخوة، نحن لا ننصحكم بأن لا تحبّو، لكن أن لا تحبّو العالم، كي تتمكنوا بحرية من محبة الذي خلق العالم. النفس الواقعة في المحبة الدنيوية، كما لو كانت هدالا في الريش: لا تستطيع الطيران. أما إذا كانت نقيّة من العواطف القذرة التي تجعلها مرتبطة بالعالم، فبإمكانها أن تطير بجناحيها: إنهما حرّان من جميع العوائق، وعندما أقول "الجناحان"، أقصد بهما الوصيتان الإثنتان المتعلقتان بمحبة اللّه ومحبة القريب. أين ستطير النفس إن لم يكن طيرانها موجها نحو اللّه؟ أجل، بطيرانها نحوه، ستتصاعد، لأنها تتصعد بالمحبة. لكن قبل أن تتمكّن من الإرتفاع نحو السّماء، وتشعر في قلبها بالرغبة في ذلك، فإنها تَئِنُّ لأنها لا تزال في الأرض. تقول: من يمنحني جناحي الحمامة، لأطير وأجد الراحة؟ سترتفع مطولا إلى مكان بعيد عن الأزمات وعن الشقاء البشري. عندما تصل إلى الهدف، لن تعاني من الإختلاط بالأشرار، بل ستعيش في المجتمع المقدّس للأرواح النقيّة، مواطني المدينة الأبدية. (المصدر نفسه ١٢١، ١)

٤٣. اللّه وحده الثابت المطلق

المطلق هو الذي لا تزول أيامه. أيها الإخوة، أليس صحيحا أنّ أعوامنا تزول كل يوم، بلا انقطاع؟ في حين أنّ اليوم الأبدي يبقى ثابتا؟ إذاً، تشارك في ثباته تلك المدينة، التي هي في العالم المطلق. في العلى كل شيء مستقر، لا شيء عابر. هل تريد أن تكون أنت أيضا مستقرا وغير قابل للتغيّرات؟ أسرع إلى العلى. لا أحد يملك في نفسه الثبات. ما هو جسدي ليس ثابتا، لأنه لا يملك في نفسه الإستقرار: يتغيّر بتقدم السن وتغيّرات الزمان والمكان، يتغيّر بسبب الأمراض وبسبب شقائه الجسدي. هو في حد ذاته ليس مستقرا ولا الأجساد السّماوية في حد ذاتها مستقرة: هي أيضا خاضعة لتحولات، ولكنها غامضة بالنسبة لنا. تنتقل من الشرق إلى الغرب، لاستئناف مدارها تجاه الشرق. إذن فهي ليست الثبات. النفس البشرية نفسها لا تتمتع بالإستقرار. كم من تحولات تحدد التنوع في الفكر وفي الإرادة ! كم من تغيّرات تصيبها بسبب الملذات والشهوات وذلك بجعل الحياة الباطنية في حالة فوضى! عقل الإنسان نفسه، يعني الجزء العقلاني، هو متغيّر. إنه يريد ولا يريد؛ يعرف ويجهل؛ يتذكّر وينسى. لا أحد يملك الثبات في نفسه. مع ذلك فقد كان هناك مخلوق أراد إيجاد الثبات في نفسه: ادّعى نفسه بأنه المطلق، لكنه انهزم في دوره: كان ملاكا، ولكنه اضمحل وأصبح إبليسا. لقد لقّح كبرياءه في الإنسان، وبحسد أسقط معه أيضا من ظل مستقرا إلى ذلك الحين. كذلك البشر أرادوا أن يكونوا المطلق؛ إدّعوا أنفسهم أسيادا وحكّاما. رفضوا أن يكون فوقهم من هو حقيقة الرب، من هو حقيقة المطلق، قيل عنه: ستغيّرهم وسيتيغيّرون؛ أما أنت فتبقى دائما أنت. إذاً، بعد كثير من البؤس والأمراض والصعوبات والمشقات، تعود النفس عن طريق التواضع إلى من هو الكامل بشكل مطلق، لتجد مكانا في تلك المدينة الواقعة في المطلق. (المصدر نفسه ١٢١، ٦)

٤٤. الإعتراف إلى اللّه

سأعترف لك، يا رب، من كل أعماق قلبي. يمكن فهم الإعتراف الحقيقي لمحبة اللّه بطريقتين: الثناء على عطايا اللّه، تقبّل مآسينا. هناك الكثير من الناس من يقوم بالإعتراف الثاني فقط، لا توجد طريقة لإقناعهم بأن يأخذوا بعين الإعتبار الإعتراف كتشكّر على عطايا اللّه. أجل، لنحمد اللّه باعتباره الخالق، لأنه لا يرفض المتواضعين في حين ينبذ المتكبرين؛ لكنّ الإعتراف الكامل هو منح قلوبنا كلها محبة في اللّه. ليقل كل شخص هذا: شُعلة محبتك، يا رب، تُلهب قلبي كله؛ لا شيء باق في قلبي حتى أتوجه به إلى نفسي، بل تُلهب كل شيء فيك وكل شيء فيك يشتعل؛ ليُأخذ كل شيء من محبتك الملفّة باللهيب المنبعث منك. إذا كنا أعددنا في قلوبنا دارا أو مسكنا للّه، فهناك سنتكلّم، هناك سيُستجابنا. في الحقيقة إن اللّه غير موجود بعيدا عن كل واحد منا، لكننا نعيش فيه، نتحرك فيه، ونحن موجودون فيه. الذّنوب هي الوحيدة التي بإمكانها أن تفصلك عن اللّه. لتُسقط عنك هذا الحاجز وستكون في صحبة من تصلي له. (المصدر نفسه ١٣٧، ٢)

٤٥. الضروري والغير اللازم

ليستعد كل واحد لإصدار حكم على نفسه باختراق عميق للتواضع. لنحتفظ في الوجدان بقسط من الزيت، الذي هو الحكم الصادر عن أنفسنا وعن حالنا. إنه لأمر صعب إصدار حكم كامل على حسابنا. أعتقد أيضا أن أحدا ما قد اجتهد والتزم إلى حد أقصى بالوقائع العلوية، ناسيا ما وراءه؛ إذا قال: كل شيء على ما يرام! عندئذ تخرج القاعدة من قبل حكم اللّه السّرّي: يدقق نظره فيه إلى أدنى حد. من بإمكانه أن يفتخر بأن لديه قلب عفيف أو أنه عادل مع الآخرين؟ حتى وإن استعطت الإجتهاد في الخير، فإنّ رجاءك سيقوم دائما على الرحمة الإلهية. إذا تدخّلت العدالة دون الرحمة، فستجد في كل إنسان مسألة للإدانة. لكن للحصول على حكم سخيّ من اللّه، ينبغي علينا أن نكون كرماء مع الجميع. إذا كنّا نريد أن نُبقي لأنفسنا ما هو فقط ضروري لنا فأشياء عديدة هي غير لازمة؛ أما إذا رحنا نبحث عن الأشياء التافهة، فلا شيء يكفينا. أيها الإخوة، ابحثوا عما هو كاف لتحقيق عمل اللّه، وليس ما يرضي طمعكم: هذا الأخير هو ليس من عمل اللّه. إنّ ذاتكم، يعني الجسد والنفس: هي كلها من عمل اللّه. تحقق مما هو ضروري لها، وستكتشف بأنه جد قليل. فاللّه لا يطلب منا الكثير. تفحّص الأشياء العديدة التي منحك إيّاها وانزع منها ما تراه أساسيا: أما الباقي فلا لزوم له، ولكنه ضروري للآخرين. ما هو غير لازم للأغنياء يكون ضروريا للفقراء. عندما نمتلك أشياء زائدة نمتلك أشياء تخصّ الآخرين قانونيا. (المصدر نفسه ١٢، ١٧٤)

٤٦. لنحضّر أنفسنا للنشيد الأبدي

لنفكر في تسبيح اللّه بشكل دائم، لأنّ تهليل حياتنا القادمة سيكون تسبيحا للّه، ولا أحد سيكون قادرا على العيش في الحياة القادمة إذا لم يتدرّب عليها من الآن. الآن نسبّح اللّه ولكننا معا نتوسّل إليه؛ وإذا كان التّسبيح يولّد فينا التّمتع، فالصلاة تتضمّن الأنين. لقد تمّ وعدنا بشيء لا نملكه الآن، وبما أن صاحب الوعود هو الحقيقة الأبدية، فلنتمتع في الرجاء؛ وبما أننا لا نملكه، فلنئنّ من الرغبة. إنه لأمر جيّد بالنسبة لنا إذا كنا نثابر في هذا الشيء إلى غاية الحصول على ما تمّ وعدنا به: إذن كل أنين ينقضي ويتّبع التّسبيح الوحيد. هناك فترتان: الفترة الحالية، المليئة بالإغراءات والفتن؛ الفترة الأخرى المتمثلة في الحياة الآخرة، في الطّمأنينة وفي البهجة الأبدية. إذا كنّا نريد أن ننشد نشيد الحياة القادمة، فلنفكّر في هذه الأخيرة بصفة عملية قبل أن تحل علينا، وإلاّ لن نستطيع الحصول عليها عند قدومها. (المصدر نفسه ١٤٨، ١)

٤٧. سبّحوا الرب

سبّح اللّه، قل ذلك لقريبك وهو يقوله لك. عندما يحثّ بعضكم بعضا، الجميع يمارس النُّصح. لكن يحدث أن تسبّحوا مع حياتكم: ينبغي أن يُسبّح اللّه، ليس فقط اللّغة والصوت بل أيضا الوجدان، الحياة الخاصة والأعمال الخارجية. إذا لم تنقطع الحياة الصالحة، واستمرت فهي تسبيح للّه. تتوقف عن تسبيح اللّه عندما تبتعد عن العدالة وعما يحبه هو. أما إذا لم تبتعد عن الخير، حتى وإن كان لسانك صامتا، فإنّ حياتك تصرخ، وآذان اللّه تنحني إلى أفكارك وإلى قلبك. لا يمكن أن يحدث بأن يصبح مذنبا لأفعال شريرة من يغذي الأفكار الحسنة لأنّ الأفعال تصدر عن الفكر، ولا يقدر إنسان على فعل شيء أو القيام بتحريك أطرافه للعمل، إذا لم يسبقه نظام للفكر. من يرأس يكون في الداخل، يقيم في القلب؛ إذا كان حسنا فهو يعطي أوامر حسنة وتتبعه أفعال حسنة؛ أما إذا كان سيئا فإنه يعطي أوامر سيئة وتتبعه أفعال سيئة. مع ذلك، إخواني، لا تُصغوا فقط إلى الصوت: عندما تسبّحون اللّه، سبّحوه بكلّيتكم. أنشد الصوت، الحياة، الأعمال. وإن كان هناك أنين، فتنة، إغراءات، فأملو بأن كل شيء سيمر وسيأتي اليوم الذي سنسبّح فيه دون أن يزول. (المصدر نفسه ١٤٨، ٢)

٤٨. اللّه الحقيقة والمحبة اللاّمتناهية

مهما كانت المحبة ضعيفة، فهي تكمن في إرادتنا وهي مرئية بالنسبة لنا، لكننا لا نراها في أيّ مكان ولا نبحث عنها بعيون الجسد ولا نعتنقها بالبصر أو نلمسها بحاسة اللمس أو نسمعها عن طريق الصوت أو نشعر بها من خلال الخطوات. نرى المحبة بعيون القلب. ما هو حقيقي أكثر من اللّه، الذي محبته مستحقة فينا! في الواقع إن قلبنا، يعني الإنسان الداخلي، على الرغم من أنه صورة خافتة للّه، مخلوقة من قبله، ورغم تجدده يوما بعد يوم، فهو منغمس في كثير من النور، الذي لا يمكن أن تخترقه أية حاسة لعيون الجسد. إذا كانت الأمور التي تتأملها في هذا النور بعيون العقل، فهي بالتأكيد متميزة فيما بينها دون أن تنفصل عن المناطق المحيطة بنا، وهذا ينطبق على اللّه، الذي يسكن النور الذي لا يمكن لحواس الجسد بلوغه، ولا يمكن للقلب أن يقترب منه، إن لم يكن متصفا بالنقاء. إذن عندما نفضّل هذا النور على كل نور مادي، لا يكون ذلك عن اقتناع عقلي فقط بل بدافع المحبة أيضا، إذا نجحنا فيه أكثر، سنكون أقوياء أكثر، حتى يتم شفاء مواطن الضعف الموجودة في نفوسنا من قبل الذي يغفر كل ما نملكه من آثام. في الحياة الأبدية، نصبح روحانيين وموهوبين بملكات عقلية ذات قدرة أكثر ونشاط أكثر، يمكننا الحكم على كل شيء، دون أن نكون محكومين من أيّ شخص. لكنّ الإنسان الذي يعيش في شهوات الأرض، لا ينال الأمور المتعلقة بروح اللّه، لأنها حماقة في نظره؛ ولا يمكنه فهمها، لأنه لا يمكن الحكم عليها إلا روحيا. (رسالة ١٤٧، ١٧، ٤٤)

٤۹. درجات نحو نقاء القلب

اجعل حياتك وسلوكك يتوافق مع الوصايا الطبيعية لشريعة اللّه، التي نلناها من أجل العيش بشكل جيّد، بدءا بخشية اللّه المقدسة، كونها بداية الحكمة، التي يسقط وينكسر معها الكبرياء البشري. أصبحت وديعا وصبورا بفضل الرّأفة، لا تُصرّ على إنكارك لمخالفة ما لا تفهمه أو ما يبدوا لك غريبا بسبب عناد حاقد. ولا ينبغي أن تجعل أفكارك تتشابك بالشعور الصادق للحقيقة، بل إخضع لسلطته، في انتظار الوصول إلى فهمها بوداعة؛ بدلا من أن تتهم بقساوة معانيها الغامضة. ثالثا، عندما سيبدأ الضعف البشري في الظهور في وجدانك وستفهم الحالة البائسة التي أنت متواجد فيها والقيود التي تجرّ بها نفسك بسبب حالة بشرية، ستدرك كم كنت منفيا وبعيدا عن الرب. رابعا، إرغب في تحسين عدلك برغبة أقوى وشوق أكثر مما تعوّد عليه الأفراد الأشرار على الطمع فيه بسبب آثامهم: ليكن شوقا هادئاً ولهيبا هادئا أكثر، إذا ارتاح في رجاء العون الإلهي. في هذه الدرجة الرابعة للحياة الروحانية نلحّ على الصلاة باجتهاد، لكي تستطيع النفوس الجائعة والمتعطشة للعدل الحصول على إشباعها، بحيث لا يكون امتناعنا عن كل متعة عقوبةً، بل سعادة، هذه المتعة التي تقود إلى الفساد المتعلق بنا أو بالآخرين، حتى وإن أدّى بنا الأمر إلى مكافحة الشهوات ومقاومتها. ولأنّ هذه النعمة قد منحها اللّه لنا بسهولة، نضيف الخطوة الخامسة التي تتضمن النصيحة بأن نكون رحيمين، وذلك بمساعدة الفقراء قدر الإمكان بروح الإنسانية، لأنك ترغب في أن تكون مساعدا من قبل كليّ القدرة في الشيء الذي لا تزال لا تقدر عليه. إضافة إلى ما لهذا العمل الصالح من قدرة على تطهير القلب، لكي تكون لنا القدرة، عن طريق العقل الخال من الشوائب، على الكشف عن جوهر اللّه الغير القابل للتغيير. (المصدر نفسه 17١A ١)

٥٠. درجات بلوغ السعادة

يريد اللّه أن نعبده بطريقة نزيهة، لأن لا شيء خارجه يتطلب الرغبة فيه. عندما سنصل، بطريقة جد سريعة أو جد بطيئة، إلى نقاء العقل هذا من خلال درجات الحياة الفاضلة، سنجرؤ على القول إنّنا قادرين، بالعقل، على استيعاب القليل من كمال اللّه اللاّمتناه. فيه السلام الكامل، لأنه لا يوجد ما هو مرغوب فيه عند الناس كالتمتّع الكامل بطبيعة اللّه الثابتة. وها هي الدرجات التي نحقق بها السعادة: التواضع الذي يستند إلى اللّه، الإعتدال الذي يستعد للتعلّم، التألّم الذي هو وعي بحدودنا الخاصة، جوع وعطش العدل الذي يصبح ثبات الروح الذي بفضله نبذل كل جهد للتمكن من السيطرة على شهواتنا، الشفقة التي الغرض منها مساعدة القريب لنستحق العون من اللّه، طهارة القلب لرؤية سرّ اللّه، سكينة ذلك السلام الذي لا يمكن للعالم منحه. هناك أربع فضائل أساسية للطبيعة البشرية: الفطنة، الثبات، العدل، الإعتدال؛ هناك ثلاث فضائل لعبادة دينية كاملة: الإيمان، الرجاء والمحبة. لا يمكن حقيقة إهمال هذه الفضائل الثلاث، لأننا نعلم أنه لا يمكن بدونها تقديم العبادة إلى اللّه ولا يقبل اللّه أحدا. (المصدر نفسه ا١٧ا، ٢)

٥۱. لا وجود لاستحقاق سابق للنعمة

تصفّح، إن استطعت، استحقاقاتك التي لأجلها لم يعد اللّه واقيك، بل المحمي من قبلك. اجتهد أيضا في التذكّر إن كنت الأول من بدأ في البحث عن اللّه أم أنه هو الذي بحث عنك. الآن، إذا كنت تريد حقا معرفة الإستحقاقات السالفة التي حصلت بصددها على نعمة اللّه، فأعتقد أنك لن تجد المستحق، بل الغير المستحق. إذا كان ينبغي لمعاملتك أن تكون وفقا لاستحقاق عدلك، فماذا كنت ستستحق نيله: المكافئة أم العقاب؟ إذن، إذا كنت بارا بحكم نعمة اللّه، فلم تعد كذلك بحكم الأعمال، وإلاّ لما كانت النعمة هبة مجانية. في الواقع، الأعمال تحدد ما هو مطلوب، أما النعمة فهي ممنوحة مجانا ولهذا السبب تسمى نعمة. (المصدر نفسه ١٨٦، ٢، ٦)

٥٢. كيف ندعو اللّه؟

  عظيم أنت يا رب ومسبّح جدا، ولا حد لعظمتك. إلهنا عظيم شديد القوة، ولا قياس لإدراكه. إن الإنسان، وهو جزء صغير من خلقك، يرفع لك التّسبيح، حاملا معه مصيره الفاني، دليلا على خطيئته وأن اللّه يقاوم المتكبرين. مع ﺫلك فهو يتغنى لتسبيحك. أنت الذي تخلق فيه الشعور بالسعادة حين يسبّحك، لأنكَ خلقتنا من أجلكَ، وقلوبنا لن ترتاح حتى تستقر فيكَ. هب لي يا رب المعرفة والفهم إﺫا كان يجب أن أدعوكَ أولا ثم أسبّحكَ؟ أم أعرفكَ أولا ثم أدعوكَ؟ لكن هل يمكن لأحد أن يدعوك دون معرفتك؟ من يجهلك قد يدعو آخرا مختلفا عنك. فهل بالأحرى يجب أن يدعوك من أجل معرفتك؟ إﺫ كيف يدعوك من لم يؤمن بك؟ وكيف يؤمن بمن لم يسمعه؟ وكيف يسمعه من غير مبشّر؟ يسبّح الرﱠبﱠ من يبحثون عنه. لأنهم، عندما يبحثون عنه، سيجدونه، وعندما يجدونه سيسبحونه، سأبحث عنك يا رب، داعيا لك وسأدعوك مؤمنا بك، لأنك قد بشّرتنا. أدعوك بإيماني الذي وهبتني إيّاه عن طريق عمل مبشِّريك. (الإعترافات ١، ١، ١)

٥٣. تطلّع النفس إلى اللّه

من يهبني الرّاحة فيك؟ من يجعلك تأتي إلى قلبي لتسكنه فتُمحى شروري وأعانقك أنت يا ملجأي وخيري الوحيد؟ من أنت بالنسبة لي؟ ارحمني كي أتحدث. من أنا بالنسبة لك، لأنك تأمرني بأن أحبك وإن أبيت فإنك تغضب وتلوح لى بكوارث. هل حرماني لحبكَ هو شر إلى حد ما؟ قل لي، برحمتك، يا إلهي وربّي، من أنت بالنسبة لي، قل لنفسي꞉ أنا خلاصكَ. قل لي حتى أسمع كلمتكَ، فقلبي منصت لك يا رب؛ افتحه وقل لي: أنا خلاصك. سأعدوا في أثر صوتك وسأبلغ معرفتك، فلا تحجب وجهك عنّي أموت لعدم الموت، لرؤيته. (المصدر نفسه ١، ٥، ٥)

٥٤. الأشكال الأولى للحياة

أحمدك يا ربّ السّموات والأرض وأسبّحك على بداية حياتي وطفولتي التي لا أﺫكرها. لقد منحت الإنسان معرفة ماضيه الخاص من خلال سلوك الآخرين ومعرفة أشياء كثيرة عن نفسه عن طريق شهادة النساء. منذئذ كنت حيا إﺫن وفي نهاية مرحلة طفولتي بدأت أبحث عن إشارات للتعبير بها عن مشاعري للآخرين. من أين يمكن لكائن حيّ مثلي أن يستمد وجوده إن لم يكن منك، يا رب؟ أيمكن لأحد أن يكون خالقا لوجوده بنفسه؟ أيوجد، يا رب، مصدر آخر للوجود وللحياة غير قدرتك على الخلق؟ أم أنه لا يمكن الفصل بين الوجود والحياة، لأن الصفات العليا للوجود والصفات العليا للحياة هما شيء واحد؟ أنت الوجود الأعلى، يا رب، وأنت لا تتغيّر، فاليوم لا ينقضي فيك، بل يكمل فيك، لأن الأشياء كلّها هي إليك؛ حيث لا تعرف طريقا تسلكه إن لم تكن أنت متضمّنها. سنوك لا تنتهي، سنوك هم "اليوم". بقدر ما هي عديدة أيامنا وأيام آبائنا فقد مضت كلّها في "يومك" وتلقت منه مقياس وطريقة وجودها. ستمضي أيام أخرى وستتلقى هي الأخرى طريقة وجودها. أما أنت فتبقى دائما أنت، لا تتغير، كل أعمال الغد وما بعده، كل أعمال أمس وما قبله أيضا تنجزها اليوم. ما عسايا أن أفعل إذا كان لا أحد يفهم؟ ليبتهج، وليقل هو أيضا ꞉ "ما يعني هذا؟"؛ ليبتهج أيضا في اعتقاده بأنه يجدك، دون أن يفهم بأنه لا يجدك، بدلا من أن يفهم بأنه وجدك، في حين لا يعتقد بوجودك. (المصدر نفسه ١، ٦، ١٠)

٥٥. الشكر للّه على كل هباته

نحمدكَ، يا رب، رغم كل ذلك، يا كليّ السموّ والخالق العظيم للكون ومنظّمه، حتى وان أردتني أن أبقى في طور الصبا. حتى ذلك الحين إذن، كنتُ حيا، موجودا، وكنت أشعر، وكان لدي الحس الباطني للمحافظة على وجودي كصورة تعكس تلك الوحدة الخفية التي أنا صادر عنها؛ بفضل الغريزة، كنتُ أحافظ على سلامة حواسي، كما أنّي كنتُ أستمتع بالحقيقة التي شكلها عقلي من أفكار محدودة حول أشياء صغيرة؛ لم أكن أريد أن يخدعني أحد، كانت لديّ ذاكرة قوية، كنت موهوبا بالكلام، كنت أسعد بصداقتي، وكنت أتجنب الألم، الدناءة والجهل. ما الشيء الذي لا يستحق الإعجاب والثناء في كائن صغير مثلي؟ هذه كلها هبات منحها لي إلهي وهي ليست منّي. هي خيرات، وكلها مع بعض، تشكل لي ذاتي. إن من خلقني هو صالح حقا وهو خيري، وأنا أحمده على جميع الخيرات التي شكلت ذاتي في مرحلة الصّبا. كانت خطيئتي تكمن إذن في بحثي عن نفسي، عن ملذات أخرى، عن عظمة وعن حقائق، لكن ليس فيه، بل خارجا عنه أي في مخلوقاته. الشكر لك، يا حلاوتي ومجدي ورجائي، الشكر لك، يا إلهي، على هباتكَ التي منحتها لنا. اللّهم ان تبقيها لي واحفظني بها، واجعل كل ما قدمته لي من هذه النعم ينمو ويصبح كاملا، وسأكون بنفسي معكَ لأنكَ أنتَ أوجدتني. (المصدر نفسه ١، ٦، ٣١)

٥٦. انزلوا إلى القلب لتتصاعدوا إلى اللّه

يا بني البشر، إلى متى وقلوبكم تحمل هذا العبء الثقيل؟ حتى بعد انحناء الحياة الإلهية لكم، لا تريدون التصاعد إليها؟ إلى أين تتصاعدون، إن كنتم مسبقا في الأعلى ووضعتم أفواهكم في السماء؟ انزلوا، لتتصاعدوا، وتصاعدوا الى اللّه. لأنكم وقعتم في تصاعدكم ضد اللّه. قولي لهم هذه الكلمات، يا نفسي، لكي ينوحو في وادي الدموع، ثم ارفعيهم معكِ إلى اللّه. روح اللّه تُلهمكِ هذه الكلمات، إن كان كلامكِ متوهّجا بنار المحبة. (المصدر نفسه ٤، ١٢، ١٩)

٥۷.الإعتراف إلى اللّه

لك، يا رب، إذا تبيّن أمام ناظريك هاوية المعرفة الإنسانية، فقد يكون شيئا فيّ مختفيا، عندما تجنّبت أيضا الإعتراف به؟ لكنت أخفيتك فيّ، بدلا من إخفائي فيكَ. لكن الآن آهاتي تشهد على الإشمئزاز الذي أشعر به تجاه نفسي، ولهذا أنت تُشرق وتَحلو وأنت موضوع محبة ورغبة، لكي أخجل من نفسي وأصد نفسي لأعانقك، ولا أريد أن أُعجبك أو أُعجب بنفسي، إن لم يكن بقدر ما أعلم عنك. لذلك، أنا معروف عندك، يا رب، بكل ما لديّ من صفات. الهدف الذي من أجله اعترفت لك به بالفعل، قد قلته. إنه اعتراف قائم ليس على كلمات الجسد وصرخاته، بل على كلمات النفس وصرخات العقل، التي تعرفها آذانك. في حالة المعصية يكون اعترافا بالإشمئزاز الذي أشعر به تجاه نفسي؛ في حالة الطّيبة يكون اعترافا بإنكاري للإستحقاق، لأنك، يا رب، تبارك البار، ولكنك تبرّره عندما يكون أولا مُشركا. إذن فاعترافي أمام ناظريك، يا رب، هو صامت وغير صامت على حد سواء. الصوت يصمت، القلب يصرخ، لأنّ لا شيء حقيقي أقوله للناس، إن لم تكن سمعته مني؛ ولا تبغض أيّ شيء مني، إن لم تكن قد قلته بنفسك. (المصدر نفسه ١٠، ٢، ٢)

٥٨. اللّه هو متعة عباده

بعيدا، يا رب، بعيدا عن قلب عبدك المعترف لك، بعيدا التفكير في أن أيّ تمتّع كان بإمكانه أن يجعلني سعيدا. هناك تمتّع غير ممنوح للمشركين، بل لأولئك الذين يعبدونك بمحبة خالصة، وأنت نفسك تمتّعهم. وهذه هي السعادة: التمتّع لأجلك، التمتّع بك، التمتّع بسببك؛ خارج هذه السعادة لا توجد أية سعادة أخرى، من يعتقد بأنّ هناك سعادة أخرى، فهو يتّبع تمتّعا آخر، ليس حقيقيا. مع ذلك، فإرادتهم لا تحيد عن صورة معينة من التمتع. (المصدر نفسه ١٠، ٢٢، ٣)

٥۹. لقاء اللّه

أحببتكَ في وقت متأخر، أيها الجمال القديم والجديد، أحببتكَ في وقت متأخر. أجل، لماذا كنت في داخلي وأنا خارجا عنك. هناك كنت أبحث عنك. كنت ألقي بنفسي على مخلوقاتك الجميلة، المشوهة. كنت معي، لكنّي لم أكن معك. كانت مخلوقاتك تبعدني عنك، إذ لا وجود لها إن لم تكن موجودة فيك. أنت دعوتني، واخترقت صرختك صممي؛ تباهيتَ، فبدّد بهاءك عماي؛ نشرتَ عطرك، وتنفست وأنا أتوق إليك، تذوقت وأنا جائع وعطشان؛ لمستني، وتوهّجت رغبة في سلامك. (المصدر نفسه ١٠، ٢٧، ٣٨)

٦٠. دافع المحبة

راحتنا هي موقعنا. هناك ترفعنا المحبة، وتعلّينا روحك الطيبة من دناءتنا، بانتزاعها من أبواب الموت. سلامنا في إرادتنا الحسنة. كل جسم يتّجه إلى مكان يخصه بسبب ثقله. لا يجرّ الثقل نحو الأسفل فقط، بل إلى المكان الذي يخصه. تتّجه النار إلى الأعلى، يتّجه الحجر إلى الأسفل، الإثنان مدفوعان من قبل ثقلهما بحثا عن مكانهما. الزيت المصب في الماء يرتفع فوق الماء، الماء المصب في الزيت يغمر تحت الزيت، كلاهما مدفوعا إلى البحث عن مكانه بسبب ثقله. خارج النظام يسود الإضطراب، داخل النظام يسود الهدوء. ثقلي هو محبتي؛ يأخذني حيثما كنت. تلهبنا هبتك وتحملنا نحو الأعلى. نتوهّج ونتحرك. نصعد صعود القلب بنشد نشيد الصعود. من لهيبك، من لهيبك الطيّب نلتهب ونتحرك، صعودا إلى سلام القدس. أية سعادة هي عند سماع هذه الكلمات: سنذهب إلى بيت الرب! مستقرين، هناك، من قبل الإرادة الحسنة، لن نرغب في شيء آخر، سوى البقاء هناك إلى الأبد. (المصدر نفسه ١٣، ٩، ١٠)

٦١. دعاء ختامي

بما أنك زوّدتنا بكل شيء، يا رب، فامنحنا السلام، سلام الراحة، سلام السبت، سلاما بلا غروب. كل هذا الإنسجام الرائع لأشياء جدّ خيّرة، عندما يملأ حجمها، مقدّر عليها أن تعبر. كان لديها صباحا، ومساءًا. لكن اليوم السابع هو بلا غروب وليس له غربا. أنت قدّسته لتجعله يدوم للأبد. الراحة التي اتخذتها في نهاية الخلق، بعد القيام بأعمالك، الجد حسنة، وإن بقيت في راحة، فهو تنبؤ لنا أيضا، بعد القيام بأعمالنا الحسنة، هي جد حسنة بفضل سخاءك، سنستريح فيك في سبت الحياة الأبدية. إذن ستكون أنت أيضا من يستريح فينا. مثلما الآن تعمل في أعماق أنفسنا. تلك ستكون راحتك عن طريقنا، مثلما هي، أعمالك هذه عن طريقنا. لكنك، يا رب، أنت تعمل دائما وتستريح دائما. لا ترى في الزمن، لا تتحرك في الزمن، لا ترتاح في الزمن ومع ذلك تلبّي رؤانا الزمنية، الزمن نفسه والإستراحة بعد الزمن. بعد أعمالنا نأمل في أن نرتاح في قداستك العظيمة. أما أنت أيها الخير، الذي لا ينقصه أيّ خير، فتستريح للأبد، لأنك نفسك راحتك. من يستطيع منح فهم هذه الحقيقة لإنسان؟ أيّ ملاك يستطيع منح فهمها لملاك؟ نسألك، نبحث فيك، ندقّ عليك. هكذا، هكذا سننال، هكذا سنجد، هكذا سيُفتح لنا. (المصدر نفسه ١٣، ٣٥ ـ ٣٨، ٥٠ ـ ٥٣)

٦٢. تعليم أفلاطون

إنّ فلسفة أفلاطون تعتبر اللّه غاية جميع الأفعال، مبدأ جميع الكائنات، نور جميع الأفكار. أراد اتباع التقنية المعروفة لدى معلّمه سقراط، أدخل الحوار في جميع كتبه، للتظاهر بعلمه الخاص أو برأيه. نحن أمام نصوص في صالح الدين الحقيقي، الذي التزم إيماننا بالدفاع عنه، ونصوص أخرى يبدو فيها متعارضا معه فيما يتعلّق بمشكلة التوحيد وتعدد الآلهة والنظر في الحياة السعيدة الحقيقية التي ستكون بعد الموت. إن باحثي نظامه الفلسفي، الذين هم في أعلى تقدير  لفهمهم بذكاء حقيقي أن أفلاطون هو أعلى مرتبة بالنسبة لجميع الفلاسفة الوثنيين، يزعمون بأنه يأخذ بعين الإعتبار ثلاث مسائل في مقابل اللّه: علة الوجود، سبب التفكير، قاعدة العيش. من بين المبادئ الثلاث، الأول منها ينتمي إلى الجزء الطبيعي بشكل مثالي، المبدأ الثاني ينتمي إلى الجزء العقلاني، والمبدأ الثالث ينتمي إلى الجزء الأخلاقي. إذن، إذا كان الإنسان قد خُلق فلكي، عن طريق الملكة الروحية الموجودة فيه، يتعالى عن الواقع المخلوق، الكائن الذي يتعالى على الكل يبلغ اللّه الواحد، الحقيقي والخير الأسمى، الذي بدونه لا أحد آت إلى الوجود، بدونه لا تعلّم أية ثقافة، وبدونه لا يصلح أيّ تعليم. يترتب على ذلك أنه ينبغي البحث عن اللّه لأنّ كل شيء فينا مستقر فيه، ينبغي معرفته لأنّ كل شيء فينا معقول فيه، ينبغي أن نحبه لأنّ كل شيء فينا صادق فيه. (مدينة اللّه ٨، ٤)

٦٣. العلاقة بين الدين الحقيقي والخلاص

لدينا خدمة للّه، في اليونانية تسمى "latréia"، سواء كان ذلك في طقوس التقاليد أو في حميم وجداننا. كلّنا معا وكل واحد منا معابده، لأنه يتكرّم في حضوره سواء في اتحاد الجماعة بالكل أو في كل فرد خاص، لأنه لا يزداد في التمديد ولا ينقص بسبب التقاسم. عندما تكون قلوبنا بالقرب منه، تصبح مذبحه. نسترضيه من خلال صلاتنا وتقديم حياتنا حبا في الحقيقة والخير؛ نحرق لأجله بخورا من العطر الناعم عندما نحرق في حضوره بحبّ تقيّ ومقدّس؛ وعد منّا بأن نحترم عطاياه ونردّ له سواء عطاياه الموجودة فينا أو نحن أنفسنا؛ نقدّس ونكرّس ذكرى نِعمه علينا في احتفالات الأيام المحددة، كي لا يحدث مع مرور الوقت السهو الجاحد. وباختصار، نقدم له هبة وتضحية في مذبح قلوبنا عطاء التواضع والتّسبيح الحار لنار محبتنا. لنل رؤية منها، وإن كانت محدودة، ولتوحيدنا في وحدة مقدّسه معه، نتطهّر من كل دنس الشر والشهوات غير الشريفة، لأننا نعتبر أنفسنا شيئا مقدّسا وقدّيسا. اللّه مبدأ سعادتنا، غاية كل رغبة فينا. باختياره، أو بمعنى آخر، باختياره دائما من جديد نخسره مرارا وتكرارا لأننا نلغيه من خياراتنا (هذا ما تعنيه كلمة "دين"، من اللاتينية rileggere)، نتوق إليه عن طريق اختيار محبة تامة لنكف عن القلق عند الوصول إليه، سعيدين تماما لأننا نمتلك الكمال في تلك الغاية الوحيدة التي هي اللّه. في الحقيقة أن خيرنا الذي ـ يوجد حوله خلاف كبير فيما يخص الغاية ـ ليس شيئا آخر سوى العيش في الإتحاد معه، لأنّ النفس العقلية تمتلئ وتصبح مثمرة بالفضائل الحقيقية في أحضان ما هو لامادي لا غير، إن جاز قول ذلك أيضا عن اللّه. وبالتالي فقد أمرنا بأن نحب هذا الخير بكل ذواتنا. يجب أيضا أن يقودنا نحو هذا الخير أولئك الذين يحبوننا ونقود إليه أولئك الذين نحبهم. بهذا نتمّ الوصيتين اللتين تتوقف عليهما حياة الإنسان كلها الدينية والأخلاقية: أحب الرب إلهك من كل قلبك، بكل روحك، بكل عقلك ـ أحب قريبك كنفسك. لأن الإنسان في الحقيقة عرف أن يحب نفسه، وقد حُددت له الغاية التي يوجّه إليها كل أفعاله ليكون سعيدا. من يحب نفسه حقا لا يريد شيئا آخر سوى أن يكون سعيدا. هذه الغاية ليست شيئا آخر سوى أن نكون متّحدين باللّه للأبد. من يعرف كيف يحب نفسه، عندما يُأمر بأن يحب قريبه كنفسه، فإنه يُؤمر فقط بأن يحفّزه، قدر الإمكان، على أن يحب اللّه. هذه هي عبادة اللّه، هذا هو الدين الحقيقي، هذا هو التقوى المستقيم، هذه هي الخدمة الواجبة نحو اللّه. لذلك إذا كانت أيّة روح خالدة، بأيّة قيمة معترف بها، تحبنا كما تحب نفسها، فإنها تريد أن، نخضع للذي هي خاضعة له أيضا، لنكون سعداء. إذن إذا لم تعبد اللّه فلن تكون سعيدة، لأنها محرومة من اللّه؛ ثم إذا كانت تعبد اللّه، فإنها لا تريد أن تكون معبودة في مكان اللّه. بدلا من ذلك فهي تقبل وتؤيّد مع قوة المحبة كلمة اللّه التي تقول: من يضحي للآلهات، وليس للّه وحده، فإنه سيستأصل من الحياة. (المصدر نفسه ١٠، ٣، ٢)

٦٤. الحياة الأبدية هي السكينة المطلقة

ستكون السكينة كبيرة بحيث لن يكون هناك أيّ شر، لن ينقص أيّ خير، سنتطلّع لتسبيحات اللّه التي ستكون الكل في الكل. لن يكون هناك ما يزول في تلك الحالة من الحياة بسبب خمولنا، ولن يعوزنا شيئا: فطوبى لأولئك الذين يسكنون بيتكَ، سيسبّحونك إلى الأبد. جميع أجزاء كياننا، سواء كانت النفس أم الجسد، لن تخضع لقوانين الصيرورة، بل ستكون هناك سكينة كاملة، آمنة ودائمة. كل إيقاعات التناسب المنسجم في الجسد والروح، التي هي غير ظاهرة الآن، ستكون إذن ظاهرة وسيتمّ إدراكها. كل شيء سيظهر كبيرا حقا، رائعا وكاملا في بُعد الخلود. عقولنا ستشتعل بغناء الجمال العقلي، القائم على أساس قدرة تسبيح الخالق الأعظم بطريقة جديرة. لا أجرؤ على تحديد ما ستكون عليه حركات الجسد لأنّي لا أستطيع تخيّل ذلك، مع ذلك كل حركة وتوقف، وكذلك كل صورة ذهنية أو شيء آخر، سيكون مناسبا في كل شيء مع كل وجود، لأنه لن يوجد أيّ شيء في العلى لا يكون مناسبا. بطبيعة الحال، فإنّ الجسد سيكون حيثما تشاء النفس الروحية؛ والنفس الروحية لن تريد شيئا لا يكون مناسبا لها أو للجسد. سيكون هناك مجدا حقيقيا لأنّ في الخلود لن يُمجَّد أحد ما لخطأ من عند الذي يقوم بالتمجيد أو لتملّقٍ. سيكون هنالك فخرا حقيقيا لن ينكره من يستحقه، في حين لن يُمنح لمن لا يستحقه؛ لكنّ الإنسان غير المستحِقّ لن يرغب فيه لأنه غير مسموح هناك به لإنسان غير جدير. سيكون هناك سلاما حقيقيا لأنه لن يكون هناك تناقضا لا من نفسه ولا من غيره. مكافأة الفضيلة ستكون الذي منح الفضيلة وقدّم نفسه للفضيلة: لا شيء يمكن أن يكون أصلح وأعظم منه. لذلك سوف يتحقق هذا الوعد: سأكون إلها لهم وهم لي شعبا. هذا لا يعني شيئا أكثر من هذا: سأكون من يرضي جميع الأبرار، سأكون كل الأشياء التي يرغب فيها الناس بصدق: الحياة، العافية، الطعام، الثروة، المجد، الفخر، السلام وكل خير. إذن سيكون اللّه الكل في الكل: سيحقق لنا جميع رغباتنا، لأننا سننظر إليه دون نهاية، نحبه دون نفور، نسبّحه دون تعب. هذه الهبة، هذه المحبة، هذا العمل سيكونون مشتركين للجميع، كما أنه الحياة الأبدية نفسها. (المصدر نفسه ٢٢، ٣٠، ١)

٦٥. في الحياة الأبدية سيكون هناك سلام ووئام

لا أحد قادر على التفكير وأقل من ذلك بكثير على التعبير عما ستكون عليه درجات الفخر والمجد المتنوعة، بما يتناسب مع إستحقاق المكافأة؟ لكن لا ينبغي الشك في أنها ستكون. والمدينة السّماوية السعيدة في حد ذاتها سترى هذا الخير العظيم: الكائن الأدنى لن يحسد الكائن الأعلى. كل واحد لن يريد شيئا لم يتلقاه، على الرغم من أنه مرتبط مع الذي تلقاه من رباط الوئام الساكن، تماما مثلما يحدث في الجسد؛ فالعين لا تريد أن تكون ذلك الأصبع، لأنّ الكائن بكامله يشمل هذا العضو والعضو الآخر، وهكذا سيحصل الواحد على هبة أصغر من الآخر، ولكنها هبة عدم الرغبة في المزيد أكثر. (المصدر نفسه ٢٢، ٣٠، ٢)

٦٦. في الحياة الأبدية ستكون الحرية مطلقة

لن يقدر الشر على إغراء الأبرار. بهذا المعنى، لن تكون للمباركين حرية الإختيار، يعني الإختيار بين الخير والشر؛ بل على العكس من ذلك، إذ ستكون متحررة أكثر من إغراء الخطيئة لأنه سيتم تحريرها إلى أن تصبح ثابتة لم تعد تشعر بالإجتذاب نحو ارتكاب الخطيئة. لقد مُنحت حرية الإختيار الأولى للإنسان في البداية عندما خُلق بريئا، كانت لديه القدرة على ارتكاب الخطيئة وعلى عدم ارتكابها؛ أما الإنسان الأخير فسيكون في حرية أكثر لأنه لن يقدر أبدا على أن يخطئ: ولكن هذه أيضا هبة من اللّه، وليس امتيازه الخاص. في الواقع، أن نكون اللّه شيء، وأن نكون مشاركين في اللّه شيء آخر. اللّه بطبيعته لا يمكنه أن يخطئ؛ أما من يشارك في اللّه فقد تلقّى عنه هبة عدم القدرة على ارتكاب الخطيئة. كان ينبغي الحفاظ على كل النظام الذي رتبه اللّه مسبقا، بحيث أعطى في البداية حرية الإختيار الأولى، والتي عن طريقها كان بإمكان الإنسان الأول أن لا يخطئ، وفي النهاية حرية الإختيار الجديدة التي عن طريقها لن يقدر الإنسان على أن يخطئ: كان الإنسان الأول في علاقة مع اكتساب الإستحقاق، والآخر ليحصل على المكافأة. ولكنّ الطبيعة البشرية قد أخطأت عندما كانت لديها القدرة على أن لا تخطئ، فأصبحت حرة بفضل هبة ذات سخاء أكثر، بحيث تقودها إلى تلك الحرية الكاملة التي من أجلها لم تعد حرة في أن تفعل الشر. بما أن الخلود الأول كان يتضّمن فقط القدرة على عدم الموت، فإنّ الخلود الثاني ستكون له القدرة على عدم الموت ثانية؛ فضلا عن ذلك، فإن حرية الإختيار الأولى كانت تتمثل في القدرة على فعل الشر، أما الثانية فهي تتمثل في عدم القدرة على فعل الشر. بهذه الطريقة، لا يمكن أن تزول إرادة احترام اللّه والقريب، وكذلك لا يمكن أن تزول إرادة السعادة. بفعل الشر لم نحتفظ لا بالإحترام ولا بالسعادة، ولكن حتى بفقدان السعادة لم نفقد إرادة السعادة. ولكن أليس لأجل هذا ينبغي إنكار أنّ اللّه لديه حرية الإختيار لأنه لا يمكنه أن يخطئ؟ (المصدر نفسه ٢٢، ٣٠، ٣)

٦٧. في الحياة الأبدية إعفاء تام من الشر

في المدينة السّماوية ستكون هناك إرادة حرة واحدة عند الجميع ولا يمكن فصلها عن كل واحد منهم، متحررة من كل شر وممتلئة بكل خير، وستتمتّع دون نهاية بحلاوة السعادة الأبدية، الخالية من الأخطاء، الخالية من العقوبات، ولكن ليس من تحريرها حتى لا تكون غير شاكرة لمحرّرها. إذا تعلّقت بالمعرفة العقلية، فهي تتذكر أيضا شرورها الماضية؛ إذا تعلقت بالمعرفة الحسية، فهي غير متذكّرة تماما. في الحقيقة، حتى الطبيب الماهر يعرف تقريبا كل أمراض الجسد، مثلما هي معروضة في النظرية؛ أما كيفية اختبارها في الجسد، فإنه يجهل العديد منها لم يحصل عليها. إذن توجد هناك معرفتان للشرور: الأولى والتي لم تختف لأجلها ملكات العقل، والأخرى التي لأجلها تكون هذه الشرور متصلة بحواس من يتعلّم عن طريق الخبرة. في الواقع نحن نعرف كل الرذائل سواء عن طريق تعليم الحكمة أو من خلال السلوك السيء للأحمق. لذلك هناك طريقتان لنسيان الشرور. ينسى، بطريقة ما، الشخص المتعلّم والمثقف، وبطريقة أخرى، ينسى الشخص الذي اختبر وتحمّل؛ فالأول إذا أهمل كفاءته، والثاني إذا جعل من نفسه مقاوما للشقاء. بناء على النسيان، الذي وضعته في المركز الثاني، فإنّ المباركين لن يتذكّرو شرورهم الماضية؛ في الحقيقة إنهم سيُعفون منها كلها إلى حد أن تزول الشرور عن حساسيتهم تماما. و مع ذلك، بقوة المعرفة، التي ستكون كبيرة فيهم، لن يكون مخفيا شقاءهم الماضي فقط، بل ولا حتى شقاء الملعونين الأبدي. وإلاّ، فكيف سيصبحون قادرين على أن ينشدوا للأبد مراحم الرب، إن كانوا يجهلون شقاءهم الماضي الخاص بهم؟ بالتأكيد أنه لن يكون في المدينة التي هي في العلى ما هو أكثر بهجة من نشيد التّسبيح هذا على الجود اللانهائي للّه. هناك سيتثبّت التنبؤ: إطمإنوا واعلموا أنّي اللّه. وسيكون حقا السبت اللانهائي لأن ليس لديه غروب. نحن أيضا سنكون اليوم السابع عندما يعيدنا كاملا إلى الخير والقداسة. سنكون هناك في الراحة وسنعرف بأنه إلهنا. ادّعينا ذلك من دونه، فبعدنا عنه، في حين كان باستطاعتنا أن نشارك في كماله من خلال عمله فقط، لا أن نتركه. فماذا فعلنا إذن من دونه، إن لم نكن قد دمرنا أنفسنا؟ لكنّ اللّه في جوده قد أعادنا إلى كمال الوجود والخير؛ سنكون إذن في الراحة للأبد لأننا سنرى بأنه اللّه، الذي سنمتلئ به عندما سيكون الكل في الكل. سندرك أيضا أنّ أعمالنا الحسنة هي له وليست لنا. سنعلم ذلك بأمان عندما نكون في الراحة بكمال وسنرى بكمال أنه اللّه. (المصدر نفسه ٢٢، ٣٠، ٤)

٦٨. غاية الرغبة والسعادة

كل إنسان عندما لا يحصل على ما يرغب فيه، يكون غير سعيد. لكن ماذا ينبغي عليه اتباعه ليكون سعيدا؟ أعتقد أنّه ينبغي على الإنسان أن يكون قادرا على أن يتوق إلى الشيء الذي يستطيع امتلاكه عندما يرغب فيه. ينبغي أن يكون هذا الشيء خيرا ثابتا مستقرا لا يعتمد على النصيب، بمعنى أنه لا يتأثر بأحداث الحياة المتنوعة. في الحقيقة إننا لا نستطيع التأكد طالما أن الشيء الذي نريده هو خير عابر وفان. الخوف من فقدانه هو نفسه يجعلنا غير سعداء. الآن الخيرات التي هي خاضعة للحالة يمكن فقدانها دائما، وبالتالي من يحبها ويملكها لا يستطيع أن يكون سعيدا على الإطلاق، إذا قرّر أحد أن يكون سعيدا فينبغي عليه التحقق من ذلك الخير الذي هو باق للأبد لا أن يُحرم منه بسبب النصيب القاسي. عندئذ ينبغي إستنتاج بأن اللّه وحده هو الأبدي ولا يتوقف أبدا عن الوجود؛ إذن من يكون اللّه في حوزته هو وحده سعيد. (السعادة ١١، ٢)

٦٩. السعادة الحقيقية

السعادة الحقيقية هي الرضا التام للروح، والتي تتحقق في فترات ثلاث: معرفة على يد من يكون اتجاه الإنسان إلى الحقيقة بشعور ديني حيّ، من أية حقيقة هو طوباوي وأيّ مبدأ عن طريقه يعود إلى التناسب المثالي. هذه المبادئ الثلاثة هي في الواقع اللّه الواحد والطريقة الوحيدة للعيش بالنسبة لأولئك الذين يعرفون الفهم بعد اجتياز أيّ شكل من أشكال الخرافة والخطأ. من الواضح إنّ السعادة في هذه المرحلة لا تتضمّن سوى بلوغ الغاية، بتغذية الثقة الكاملة التي يمكن أن نقود أنفسنا إليها من قبل إيمان قويّ، ورجاء حيّ، ومحبة مشوّقة. (المصدر نفسه ٤، ٣٥)

٧٠. السعي إلى الكمال مشيا على قدم التواضع

إذا كنتم تحبون الكمال، فعيشوا بتواضع. إذا كنتم لا تريدون الوقوع، فلا تبعدوا عن اللّه. من يخشى الإبتعاد عنه، ليصلّي له بلا انقطاع تضرّعا إلى القدرة الإلهية في فعل الخير إلى غاية بلوغ اللّه. اشرعوا نحو الأعالي بقدم التواضع. إنه يرفع معه من يتّبعه بتواضع، من يعترف بحدوده وبأخطائه الخاصة. إئتمنوا إليه العطايا التي منحها لكم، لأنه لكم بها محتفظ؛ انزعوا بقربه قوتكم. كل الشر الذي لا ترتكبونه، لأنّ اللّه يبعدكم عنه، اعتبروه كما لو غفره لكم. بهذه الطريقة لا يحدث أن تحبوه قليلا، بإيهام أنفسكم بأنه وضع قليلا منه فيكم؛ ولا أن تحتقروا بتعجرف مفجع أولئك الذين يقرّون بالشر المرتكب علانية. إذا كانت لديكم فرصة اختبار قدراتكم، فلا تستكبروا رغم تمكنكم من التحمل. إذا كنتم فشلتم في الإختبار، فصلوا كي لا يفوق الإغراء قدراتكم. وبالتالي، عن طريق الإعتراف بإحسان بمواهب القريب التي لا ترونها، فإنّ مواهبكم، التي تدركونها جيدا، لن تتضاءل من المقارنة، بل ستكون مدعّمة من قبل المحبة. أما بالنسبة للعطايا التي لا تزال تنقصكم، فستُمنح لكم بسهولة أكبر، وسيكون أكبر التواضع الذي سترغبونها به. أولئك الذين يثابرون من بينكم، هم مثال لكم؛ أولئك الذين يقعون، يزيدون في اضطرابكم. أحبو مثابرة البعض لتقليدها؛ ابكو فرار الآخرين لتجنب الكبرياء. لا ترغبوا في تثبيت عدلكم؛ اخضعو للّه الذي يمارس فيكم تبريره، اعفو شر الآخرين؛ صلّو على شركم. تنبّهو لتجنّب ذنوب المستقبل. (العذرية ٥٢، ٥٣)

۷١. في باطن الإنسان يتكلّم المعلّم الإلهي

في مجال معرفة الحقيقة نحن لا نسأل لمقابلة فقط الفرد الذي يتحدث إلينا من الخارج، بل الحقيقة التي يحملها عقلنا نفسه في وجداننا ويقودها. إنها المعلّم الحقيقي الذي يسكن الإنسان الداخلي: حكمة اللّه الثابتة إلى الأبد. كل نفس عقلانية تنفتح على المقابلة مع الحكمة الإلهية، ولكنّها تنكشف عند كل واحد بشكل يتناسب مع القدرة والإرادة الحسنة للفهم. إذا كانت في بعض الأحيان لا تتحقق، فهي غير منسوبة إلى الحقيقة التي تتعلق بنا، بل إلى عيوب العقل البشري الذي يخطئ. عدا ذلك يجب أن نعترف أيضا بأنها تدخل في علاقة مع نور الحقيقة من خلال الأشياء المرئية لأنها تُظهرها لنا حسب قدرات ملكتنا في الفهم. (المعلّم ١١، ٣٨)

٧٢. فكر، كلمات، تعليم

عندما يتعلق الأمر بالأشياء التي ندركها بالعقل، يعني بفعل فكر محض، فإن المفاهيم التي لديها حدس النور الطبيعي للحقيقة تعبّر عن نفسها. عن طريق هذه الحقيقة يستنير الإنسان في وجدانه بنشوة عميقة. لكن هذا يحدث أيضا إلى أيّ مستمع كان: إذا كان يتأمّلها بعين باطنية خالصة، فهو يعرف ما أقوله من تأمّلي الخاص، لا من كلماتي. إذن حتى في تعبيري عن الحقائق، فأنا لا أعلّمه، مثلما يكون لديه حدس مباشر للأشياء الحقيقية، لأنه متعلّم لا من كلماتي بل من الشيء نفسه الذي يكشفه اللّه له في باطنه. إذا تغيّرت المعارف أحيانا وسلّمنا بالأخطاء، فهذا يحدث بسبب ضعف الرؤية لأنه غير قادر على تأمّل النور العقلاني حول الشيء المعروف بكليته. إدراك جزء من الواقع شيء، إدراك الكل شيء آخر. (المصدر نفسه ١٢، ٤٠)

٧٣. الحقيقة هي للكل

إنّ الأشياء التي نلمسها، نتذوقها ونشمها هي أقل تشابها من حقيقة الأشياء التي نسمعها أو نراها. الكلمة التي يستمع إليها بعض الناس يستمع إليها أيضا كل الآخرين: الكلمة بكاملها هي من كل واحد ومن الكل. مع ذلك فهذه الأشياء هي متشابهة فيما بينها مع اختلاف ملحوظ في بعض الأحيان. لكن مادام لجمال الحقيقة والحكمة إرادة مستمرة في الإستمتاع به، فهو لا يستبعد القادمين الجدد حتى وإن كان محاصرا من قبل العديد من المستمعين، لا يمتد في الزمن، لا يتحرك في الفضاء، لا يتوقف بالليل، لا يُحجبه الظل، ولا يخضع للحواس. إنه قريب جدا من جميع أولئك الذين يتوجهون إليه من جميع أنحاء العالم لأنهم يحبونه، هو بالنسبة للكل يفوق الزمن. لا يوجد في الفضاء ولا يغيب في أيّ مكان؛ يُنذر من الخارج، يعلّم في الباطن؛ يغيّر نحو الأفضل جميع أولئك الذين يلمحونه، لا أحد غيّره نحو الأسوأ، لا يمكن لأحد أن يحكم بشكل جيد بدونه. لهذا فمن الواضح أنه يفوق بلا شك عقلنا، الذي لا يصبح حكيما إلا عن طريقه، لأنه لا يمكن الحكم عليه، بل عن طريقه يمكن إعطاء حكم على أيّ شيء آخر. (حرية الإختيار ٢، ١٤، ٣٨)

٧٤. قوى ذاكرتنا مجهولة بالنسبة لنا

غالبا ما نفترض الإحتفاظ بشيء في ذاكرتنا ثم لا نسجّله؛ بعدها، عندما نريد تذكّره، لا يحضر في ذهننا. إذن نندم على الإعتقاد بأننا نستطيع استدعائه إلى الذهن وعلى عدم تسجيله كتابيا كي لا يفلت منا. ثم فجأة يعود إلى الذهن من جديد، ربما عندما لم نعد نبحث عنه. ألم نكن نحن الذين وضعناه في ذهننا؟ كيف يحدث إذن، لا أدري كيف، أن نُحرَم من أنفسنا وننفي أنفسنا؟ وكيف يحدث، لا أزال أجهله، أن نعود إلى أنفسنا ونسترد أنفسنا؟ كأننا آخرون وفي مكان آخر، عندما نبحث ولا نجد ما قمنا بتخزينه في ذاكرتنا، ولا نستطيع بحد ذاتنا بلوغ أنفسنا، كما لو كنا قد انتقلنا إلى مكان آخر ونبلغ أنفسنا عندما نجد أنفسنا. أين نبحث في الواقع إن لم يكن في داخلنا؟ وماذا نبحث إن لم يكن عن أنفسنا؟ كما لو لم نكن في أنفسنا وابتعدنا عن أنفسنا في موقع مخفيّ. ألا يذهلك ويفزعك ربما كثير من العمق؟ وما هذا الشيء إن لم تكن طبيعتنا، ليست تلك التي كانت لدينا، بل التي لدينا الآن؟ وها هي موضوع استكشاف أكثر منها موضوع تفاهم. كثيرا ما واجهت تساؤلا وظننت أني فهمته لو كنت قد فكرت فيه: فكرت لكني لم أستطع؛ في كثير من الأحيان لم أعتقد ومع ذلك فقد استطعت. من الواضح ان قوى عقلي مجهولة بالنسبة لي، ولك أيضا. (النفس و أصلها ٤، ٧، ١٠)

٧٥. نحن نجهل قوى إرادتنا

أظن أنه ينبغي عليّ كصديق تذكّر الإعتراف بالضعف المشترك الذي تبرز فيه القدرة الإلهية بشكل كامل، لتجنب افتراض المجهول كما هو معروف وللمجازفة على عدم التمكن من الوصول إلى الحقيقة. أعتقد أنك في الواقع تجهل قوة عقلك وإرادتك، حيث تكمن حرية الإختيار. نعلم أننا نريد شيئا ما ولا نريده، ولكن ما قيمة إرادتنا حتى وإن كانت حسنة، كم قوة لديها، ما هي الإغراءات التي تخضع لها والإغراءات التي لا تخضع لها، إذا كنا لا نخدع أنفسنا، فنحن نجهل ذلك. (المصدر نفسه ٤، ٧، ١١)

٧٦. آثار الكبرياء

عن طريق رذيلة الكبرياء جعل الناس أنفسهم فارغين ومنتفخين: يتصاعدون من أنفسهم نحو الفراغ، وعدم قدرتهم على التوقف، تجعلهم يستعجلون في الوقوع دون قدرات، بالذهاب إلى الإصطدام بأحجار الأصنام الكاذبة. هؤلاء لا يجهلون الحقيقة، ولكنهم يقمعونها في الظلم بطريقة مذنبة. في الواقع، من خلال المظاهر المرئية للخلق، كان باستطاعتهم الوصول إلى الخصائص الغير المرئية للخالق. وبالفعل إن البارعين قد نجحوا في العثور عليها، من خلال إصرارهم على البحث، فأين تكمن إذن المعصية؟ على الرغم من أنهم كانوا يعرفون اللّه، فلم يمجّدوه وما قدموا له الشكر، بل خرفوا في استدلالاتهم العقلية. التخريف مرض خاص بأولئك الذين يخدعون أنفسهم معتقدين بأنهم شيء، في حين أنهم لا شيء. لقد ابتعدوا عن نور الحقيقة الثابتة، عن طريق تشويش أنفسهم بورم الكبرياء، وعقولهم الضعيفة قد أظلمت. فعقولهم إذن لم تكن حكيمة، على الرغم من أنهم عرفوا اللّه، بل كانت عقولا غبيّة، لأنهم ما مجّدوا اللّه وما شكروه كإله. باختصار: إذا كان قد تم إنشاء الخلق، فالفضل يرجع إليهم، لهذا أصبحوا أغبياء. (الروح و الرسالة ١٢، ٩)

۷۷. دعونا نتساءل عن مصدر الشر

رأينا ما هو الشر، وتوصّلنا إلى أنه ليس الطبيعة، بل التعارض معها. لذلك نحن بحاجة إلى التساؤل عن مصدره. من يطرح مثل هذا التساءل، يجد الحقيقة إذا ما بحث عنها بشوق كبير وأصرّ عليها بتقوى، مع مثابرات مستمرة عن طريق الإستماع إلى المعلّم الداخلي. يمكن باختصار جدا الردّ على أولئك الذين يتساءلون عن مصدر الفساد: اللّه، باعتباره الخير الأسمى، أنشأ كل الأشياء خيّرة؛ الشر هو ناتج عن الإرادة الفاسدة للمخلوقات. (ضدّ رسالة ماني ٣٦، ٤١)   

 

 

العودة إلى الفصل