سلاما و وئاما على لقاءنا معا
نصوص مختارة لأوغسطينوس[1]
الجزء الأول ـ أوغسطينوس يدعوا اللّه
١. اللّه، الخالق والخير الأسمى
يا اللّه، يا خالق الكون، هب لي أن أحسن دعائكَ، ثم اجعلني مستحقا استجابتكَ، فأنال منكَ الخلاص. يا اللّه، يا من بعظمة قوتكَ تدعوا إلى الحياة كل الأشياء التي لا يمكن أن توجد بنفسها؛ يا اللّه، يا من لا تسمح للواقع المحسوس أن يفنى، رغم تكوّنه من عناصر بإمكانها أن تدمر بعضها البعض. يا اللّه،يا من خلقت الكون من العدم، وعيون الجميع تدرك كمال انسجامه؛ يا اللّه، يا من لا تصنع الشر لكنك تسمح به فقط لكي لا يقع ما هو أسوأ شرا. يا اللّه، أنت توحي إلى تلك القلّة التي تنظر إلى ما هو حقا موجود، بأن الشر ليس شيئا واقعيا؛ يا اللّه، بعظمة قوتك، الكون بأكمله، رغم تمرّد جزء منه، يصل إلى غاية وجوده. يا اللّه، اختلافنا عنكَ لا يؤدي إلى زوالنا الكامل، لأن الأسوأ من الأشياء ينسجم مع الأفضل منها؛ يا اللّه، أنت محبوب من قبل كل كائن قادر على أن يحب، رغم عدم وعيه بذلك. يا اللّه، كل الأشياء هي فيك، وما هو غير كامل في الكون لا يشوّهه، ولا الشر يجعله أقل كمالا ولا الخطأ أقل صوابا؛ يا اللّه، يا من منحت معرفة الحقيقة للأرواح النقية فقط، يا اللّه، يا أب الحق، أب الحكمة، أب الحياة الحقة والأسمى، أب الخير والجمال؛ أب النور العقلاني، أب وعينا واستنارتنا؛ أب العربون الذي من خلاله تدعونا للرجوع إليكَ: أنا أدعوكَ. (حديث النفس ١، ٢)
٢. اللّه، نور عقلاني و منظّم أخلاقي
يا إله الحق، أساس، مبدأ ومنسق حقيقة جميع الكائنات الحيّة والحقيقية؛ يا إله الحكمة، أساس، مبدأ ومنسق حكمة جميع الكائنات التي تملك الحكمة؛ يا اللّه، أيها الحياة الأسمى والحقة، أساس، مبدأ ومنسق حياة كل الكائنات التي تملك الحياة الحقة والأسمى؛ يا إله الطوبى، أساس، مبدأ و منسق طوباوية جميع الكائنات الطوباوية؛ يا إله الخير والجمال، أساس، مبدأ ومنسق خير وجمال جميع الكائنات الصالحة والجميلة؛ يا إله النور العقلاني، أساس، مبدأ ومنسق النور العقلاني لجميع الكائنات التي تشارك في النور العقلاني؛ يا اللّه، مالك العالم كله، المخفي عن إدراك الحواس؛ يا اللّه، يا مَن من مملكته تصدر شريعة ممالك الطبيعة. يا اللّه، الإبتعاد عنك سقوط، الإلتفات إليك قيامة، و البقاء فيك أمان؛ يا اللّه، الخروج عنك موت، التوجه إليك هو عودة للحياة، والسكن فيك هو العيش؛ يا اللّه، لا يضلّ عنك إلا من ينخدع، لا يبحث عنك إلا من دعوته، لا يعثر عليك إلا من طهّرته. يا اللّه، من يتركك يزول، ومن يسعى إليك أحب، من رآك امتلكك؛ يا اللّه، يا من يحفزنا إليك الإيمان، الرجاء يرفعنا إليك، و توحّدنا بك المحبة؛ يا اللّه، يا من بعظمة قوتك ننتصر على روح الشر: أستحلفك. (المصدر نفسه ١، ٣)
٣. اللّه، قوة حيوية، غاية وجائزة البشر
يا اللّه، يا من استقبلناه حتى لا نستسلم للموت الأبدي. يا اللّه، يا من تحفزنا على اليقظة؛ يا اللّه، يا من بعونك نتعلّم تمييز الخير من الشر، نفرّ من الشر ونعمل الخير: يا اللّه، بعونك نحن لا نستسلم لاضطرابات الروح وباستقامة نخضع للسلطة وبتقوى نمارسها. يا اللّه، بفضلك نتعلّم بأن ما حسبناه لنا هو أيضا للآخرين و ما حسبناه لآخرين هو أيضا لنا. يا اللّه، بعونك نحن لا نلتصق بالإغراءات وضغط الشهوات؛ يا اللّه، بعونك تعلقنا بالأشياء الكثيرة لا يحول دون تعلقنا بالكائن الواحد. يا اللّه، بعونك لا يخضع وجودنا الأعلى الى الأدنى؛ يا اللّه، بعونك يُبطَلُ الموت أمام انتصار الحياة. يا اللّه، يا من تميلنا إليك، تجردنا مما هو ليس موجودا وتكسينا بما هو موجود، تجعلنا جديرين باستجابتك لنا و توحّدنا. يا اللّه، يا من تقودنا الى الحقيقة الكاملة؛ تُظهر لنا ملئ الخير و لا تجعلنا عاجزين عن اتباعه، ولا تسمح لآخرين بفعله. يا اللّه، يا من تدعونا الى الطريق المستقيم، ترافقنا إلى الباب وتجعل الباب مفتوحا للذين يقرعونه. يا اللّه، يا من تعطينا خبز الحياة وتسقينا بالشراب الذي يروي كل عطش. يا اللّه، بعونك لا يحرمنا من الإيمان أولئك الذين لا يؤمنون، ولا من اليقين الذي يمكن للنفوس أن تستحقه بقربك. يا اللّه، بعونك لا نصبح عبيدا للمخلوقات التي تحرمنا من الخير؛ يا اللّه، يا من تنقّينا وتعدَّ لنا المكافأة الأبدية: تعال إلينا محسنا. (المصدر نفسه ١، ٣)
٤. اللّه، الكائن الأسمى والمدبّر
أنت تفوق فكري، أنت الإله الواحد: تعال لإغاثتي، أيّها الوجود الوحيد، الحقيقي والأبدي. لا نزاع فيك، لا ظلام، لا تحول، لا عوز، لا موت، بل فيك الإنسجام الأسمى والإشراق، الكمال الأسمى وثراء الحياة: لا شيء ينقص أو يزيد. يا اللّه، كل خليقة غير مكتفية بذاتها خاضعة لك وتطيعك كل نفس تقية؛ بفضل قوانينك تدور الأقطاب، النجوم تتم مدار فلكها، الشمس تجدّد النهار و القمر ينير الليل. يحافظ العالم، في تعاقبه الدائم للأزمنة المتجددة، حسب قوانين المادة، على اتساق كبير للظواهر: النهار يتعاقب مع الليل، الأشهر تتوالى وفقا لمراحل القمر، تجري السنين بتداول الفصول، الأزمنة تتراكم مع إنجاز الشمس لمسارها، والقرون بعودة النجوم لأصلها. يا اللّه، قوانينك لا تتغير، مادام العالم المادي موجود، وهي لا تسمح بأي خلل ولو بسيط في اختلاف حركة الأشياء المتغيرة بل إنه يتكرر بشكل متواصل ومنتظم مع تعاقب الأزمنة؛ و كذلك بالنسبة لقوانينك التي تجعل النفس حرة في الإختيار، فخُصصت مكافآت للأخيار وعقوبات للأشرار مع قوانين ثابتة وعالمية. يا اللّه، أنت مصدر كل خير وأنت من يبعد عنا كل شر؛ يا اللّه، لا شيء فوقك، لا شيء خارجك، لا شيء بدونك. يا اللّه، كل ما في الوجود هو تحتك، كل ما في الوجود هو فيك، كل ما في الوجود هو معك؛ وخلقت الإنسان على صورتك ومثالك: يستطيع فهم ذلك فقط من يعرف نفسه. اصغ، اصغ، اصغ إليّ يا إلهي وربّي، ملكي وأبتِ، خالقي ورجائي، واقعي وشرفي، مسكني ووطني، خلاصي ونوري وحياتي. اصغ، اصغ، اصغ إليّ على طريقتك، التي يعرفها القليلون. (المصدر نفسه ١، ٤)
٥. أنا لك من جديد
أنت وحدك أحبّ، أنت وحدك أتبع، عنك وحدك أبحث وأنا مستعد لأكون خاضعا لك فقط، لأنك وحدك تمارس السّيادة بعدل وأنا أرغب في أن أكون خاصتك. احكم وامر بما تشاء، إني أرجوك؛ و لكن اشف وافتح أذنيّ حتى أتمكّن من الإصغاء لصوتك. اشف وافتح عينيّ لأتمكّن من رؤية إشارتك. أبعد عنّي كل حركة لا عقلانية حتى أتمكّن من التّعرف عليك. قل لي إلى أين يجب أن أنظر حتى أراك وأرجو أن أستطيع تنفيذ كل ما تأمر به. أرجوك أن تقبل من جديد عبدك الفار، أيها الرب والأب الرّحيم. قد سَبق وكفّرت عن أخطائي، لأني كنت خاضعًا لأعدائك الذين تدوسهم بقدميك، وكثيرا ما وقعتُ سخرية لأشياء مخادعة. ِارض عنّي، أنا عبدك، وأنا أنبذ هذه الأشياء، التي قَبِلتها برضًا ذات مرة، أثناء فراري منك، فأصبحتُ غريبا عنك. أشعر بواجب العودة إليك؛ ها أنا أقرع، فافتح لي بابك؛ علّمني كيف يمكن الوصول إليك. لا أملك سوى الإرادة الخيّرة؛ كل ما أعرفه هو أن الأشياء العابرة ينبغي احتقارها والبحث عن الوقائع الثابتة والأبدية. يا أبتِ، إني أدرك هذا لأني قد تعلمته؛ و لكني أجهل من أين عليّ أن أبدأ كي أصل إليك. أهدني إليه، أرني الطريق، وزوّدني بما هو ضروري للرحلة. إن كان بالإيمان يجدك أولئك الذين يعودون إليك، فامنحني الإيمان، وإن كان بالفضيلة، فامنحني الفضيلة؛ إن كان بالمعرفة، فامنحني المعرفة. زدني إيمانا، زدني رجاء، زدني محبّة. يا لجودك الرائع والفريد. (المصدر نفسه ١، ٥)
٦. طهّرني، يا رب
أتوق إليك وأطلب منك وحدك الوسائل التي بواسطتها أشبع رغبتي العميقة. لأنك إذا تخلّيت عنا، فإننا نهلك؛ ولكنك لا تتخلّى عنا أبدا لأنك الخير الأسمى، الذي نصل إليه دائما عندما نبحث عنه باستقامة؛ ويبحث باستقامة كلّ من جعلته قادرا على البحث باستقامة. اجعلني أبحث عنك، يا أبتِ، و لكن جنّبني الخطأ كي لا يصادفني أيّ شيء آخر مكانك خلال بحثي عنك. إذا كنتُ لا أرغب في شيء خارجًا عنك، اجعلني أعثر عليك أخيرا، يا أبتِ: أرجوك. ولكن إذا كانت لديّ رغبة في شيء غير جوهري، فطهّرني واجعلني أهلاً لأراك. أما ما عدا ذلك، أيّها الأب الأكثر حكمة وعظمة، فأنا أضع بين يديك صحة جسدي هذا طالما لديّ إمكانية استخدامه لصالح أولئك الذين أحبّهم. أسألك أن تلهمني ما هو نافع لهذا الجسد. أدعو فقط حلمك العظيم لتوجهني كلّيًا نحوك ولا يمنعني أيّ عائق عن تصاعدي إليك. هب لي، وأنا لا أزال أحمل جسدي هذا وأجره ورائي، أن أكون معتدلا، قويا، عادلا وحذرا: أن أكون كلّيَّ الحب لك، أهلاً بتعلّم حكمتك وبالسكن دائمًا في ملكوتك الطوباوي. فليكن كذلك. (المصدر نفسه ١، ٦)
٧. معرفة الإنسان، معرفة اللّه
يا اللّه، أنت دائما مساوٍ لنفسك، اجعلني أعرف نفسي، وأعرفكَ. (المصدر نفسه ٢، ١، ١)
يا اللّه، أبانا، يا من تحثنا على الصلاة وتستجب كل صلواتنا، فامنحنا ما نسألك إياه، لأننا إذا دعوناك، نعيش ونصبح أفضل. استجبني أنا أيضا إذ أني أرتعد في هذه الظلمات: ساعدني بيمناك. أريني نورك وانشلني من أخطائي التي ارتكبتها؛ اجعلني، باتباع هدايتك، أن أرجع إلى أعماق نفسي وإليكَ. فليكن كذلك. (المصدر نفسه ٢، ٦، ۹)
٨. إله قلبي
يا رب، يا إلهي، إن كنت أتألّم بين فقرائك، فاسمح لي أن أُشبع بخبزك أولئك الذين ليسوا بجائعين وعطشى لعدلك، ولكنهم شبعى من الخيرات المادية؛ من أوهامهم لا من حقيقتك؛ وهم ينبذونها ويفرّون منها فيقعون في الغرور. فإني أعرف عن طريق تجربتي الخاصة كم من تصورات تنتج عن قلب الإنسان: وما قلبي إلا قلبا بشريا؟ لذلك أتوجه بصلاتي هذه إلى إله قلبي: ألاّ أتبنى أي حقيقة وهمية بدل الحقيقة الثابتة. فها أنا أشرب منها، رغم كوني متغيّر، إذ لا شيء متغيّر في اللّه، إن كان بسبب الحركة في الزمان والمكان كما هو الحال بالنسبة للأجسام، وإن كان بسبب الحركات الزمنية البحتة كما هو الحال بالنسبة لأفكار عقولنا. في الحقيقة، إن جوهر اللّه هو علة وجوده، فهو ليس بمتغير سواء في الخلود أم في الحقيقة أم في الإرادة، لأن الحقيقة في اللّه أبدية، أبدية فيه المحبة؛ حقيقية فيه المحبة، حقيقي فيه الخلود، محبوب فيه الخلود، محبوبة فيه الحقيقة. (الثالوث، ٤. ١)
٩. اللّه هو كل شيء
ربي وإلهي، رجائي الوحيد، استجبني ولا تجعلني أتوقف عن البحث عنك بسبب الإرهاق، بل اجعلني أبحث عن وجهكَ بشوق دائم. امنحني القوة في البحث، أنت الذي جعلتني أجدك واعطيتني الأمل في العثور عليك بمعرفة أكثر فأكثر كمالا. ها أنا أمامك بقوتي وضعفي: احفظ قوتي واشف ضعفي. أمامك علمي وجهلي؛ حيثما مهّدت لي، استقبلني ما إن أبدأ المسير؛ حيثما كنت علي خفيًّا، أظهر لي ذاتك. اجعلني أتذكركَ، أفهمك، أحبّك. زدني من هباتك هذه، حتى تُتم إصلاحي. تحدث حكيم قائلا عنك: كثيرا ما يمكننا القول دون بلوغ الهدف، قمة جميع الكلمات: اللّه هو كل شيء. عندما نصل الى حضورك، تنتهي تلك الكلمات الكثيرة التي نقولها ولا نبلغك، وإذا بك تبقى وحدك، الكل في الكل، وبعدما نصبح شيئا واحدا فيك، نحمدك برغبة شديدة مرددين دون كلل كلمة واحدة: الرب، إله أحد. فليكن كذلك. (المصدر نفسه ١٥. ٢٨، ٥١)
١٠. لنتوجّهنّ الى اللّه
لنرجع الى الرب الإله، الآب القادر على كل شيء، بقلب طاهر، وبقدر ما استطاع صِغرُنا فلنقدّم له جزيل الشكر. لندعُ بكلّية النفس تعاطفه الذي لا مثيل له، كي يتكرّم علينا باستجابته لصلواتنا وفقا لرضوانه؛ ليطرد العدوّ بقوته من أعمالنا وأفكارنا، ليزدنا إيمانا، ليقد عقلنا، ليمنحنا أفكارا روحية وليحملنا إلى الغبطة. فليكن كذلك. (حديث ٣٤، ۹)
١١. اللّه هو سعادتنا
يا رب، إلهي وإلهنا، اجعلنا سعداء بك كي نصل إليك. لا نريد أن يكون سبب اغتباطنا الذهب، والفضة والممتلكات؛ لا نريد أن نكون سعداء بهذه الخيرات الدنيوية الباطلة والعابرة في الحياة المؤقتة. لا تسمح لأفواهنا أن تنطق بالباطل. اجعلنا سعداء فيك، فبامتلاكنا لك لا نخسرك أبدا ولا نهلك إلى الأبد. فطوبى للأمة التي إلهها الرب. (المصدر نفسه ١١٣، ٦، ٦)
١٢. اللّه نور الحقيقة والجود
يا رب، اصغ إلينا. أنت الذي خلقتنا فجدّدنا. جعلتنا بشرا مستنيرين، فاجعلنا أيضًا صالحين. (المصدر نفسه ١٢٠، ٣)
١٣. اللّه، عون ومكافأة
يا رب، بفضل عونك قمنا بما أمرتنا به؛ فاجعلنا نحصل على ما وعدتنا به بفضل رحمتك. (المصدر نفسه ١٥٤A، ٦)
١٤. اللّه مخلّص الجميع
يا رب، إنك تخلّص البشر رغم عدم استحقاقهم لهذا الخلاص. مجانا تعطي، مجانا تخلّص، أنت سبّاق على جميع الإستحقاقات، فبفضل هباتك ينال البشر ما يستحقون. باختصار أنت مجانا تعطي وتخلّص، يا من لا تجد شيئا يستحق الخلاص وتجد الكثير للإدانة. (المصدر نفسه ١٦۹، ٢، ٣)
١٥.لنلجأ إلى اللّه
يا رب، لتثبّت قوة رحمتك قلوبنا في حقيقتك، لتجعل نفوسنا مستقرة ومطمئنّة. أفض نعمتك علينا وارحمنا؛ أبعد الفضائح فيما بيننا وبين إخواننا الأعزاء. بقوة رحمتك، اجعلنا نرضيك إلى الأبد. فليكن كذلك. (المصدر نفسه ٢٢٣، ٥)
١٦. الشكر لك يا رب
أشكرك، يا رب. أنت تعلم ما أقوله وما أريد قوله؛ أطعمتُ إخوتي في الخدمة من فتات مائدتك. ارعهم أنت أيضا وغذّ باطن أولئك الذين خلقتهم من أجل الحياة الحقّة. كنّا ظلمات، ولكنك النور الذي يجعلنا نورا. أيها الرب الإله، ادعنا وقرّبنا إليك؛ قوّنا كي لا نبعد عنك. اجعلنا جميعا بشر حقيقيين وناضجين، كثمار حكمتك. فليكن كذلك. (المصدر نفسه ٢٢٥، ٤، ٤)
١٧. البحث عن وجه اللّه
استجب، يا رب، إلى صوت أعماقي الذي وجهته برغبة شديدة إلى مسمعيك. عاملني برحمتك، وبها استجبني. لا أبغي منك مكافأةً خارجا عنك، بل وجهك وحدك ألتمس. سأثابر بإصرار في هذا البحث؛ إذ أعلم في الواقع، أني لا أبحث عمّا هو قليل، بل عن وجهك، يا رب، لأحبك مجانا، لأني لم أجد ما هو أثمن منك. لا تتخلّ عني أبدا؛ فهل من عقوبة أقسى من هذه، بالنسبة لمن يحب ويبحث عن حقيقة وجهك؟ يا إلهي، أنت خلاصي. فلا تحتقر كائنا فانيا يجرؤ على البحث عما هو أبدي. يا رب، أنت قد سنّيت لي شريعةً أسلكها، لأتمكن من البحث عنك والعثور عليك. وها هي ذا: انطلاقًا من المخافة التي يلدها التواضع، بإمكاني تعلّم فن بلوغ حكمتك العظيم. فلا تجعلني أخرج عن هذا الطريق كي أصل إليك ولا تسمح بأن تهجرني عقيدتك. (تعليق على المزمور ٢٦، I، ٧ – ١١)
١٨. الرب ملجإي
يا رب، يا حافظي، كن لي ملجأً أمينًا. في الواقع، أجد نفسي أحيانًا في خطر، فأرغب بالفرار؛ ولكن أين يمكن الفرار؟ إذ أينما ذهبت، فأنا أحمل دائما ذاتي معي وهناك أجدك: فإن كنتَ غضبانًا، أجدك منتقما؛ إن كنتَ هادئًا أجدك منقذًا. لذلك لا يبقى لي إلا أن أفرّ إليك، لا أبدًا أن أفرّ منك. للهروب إلى اللّه، ألتجئ إلى الرب. اجعلني معافًا، فألتجئ إليك ؛ لأنه إن لم تعافيني فلا يمكنني أن أسير: فحينها كيف يمكنني الفرار؟ (المصدر نفسه ٣٠، ٢، ١، ٨)
١٩. إسم الرب
سأعيش في انتظارك، يا رب، لأن طعم اسمك طيّب. العالم مرّ، أمّا اسمك فحلو. يفوق اسمك كل شيء، لا عظمةً فقط، بل حلاوةً أيضًا. لقد أخبرني الأشرار عن لذّاتهم، بيanد أنها لا تساوي شريعتك، يا رب. اسمك حل
٢٠. أخبر حياتي للرب
أنت جعلتني أعيش، يا رب، ولهذا أعترف لك بحياتي. ولكن ما الذي يمكنه أن يخدمك؟ كي أساهم بتمجيدك، وكي يؤمن بك الجميع. أنا أخبر حياتي داعيًا الآخرين لقبول تلك الحياة التي تلقّيتها منك. وضعتُ دموعي بحضرتك وأنت استجبت توسّلاتي. كنت قد قلت بأنك تستجيب إلى من يبكي؛ فآمنت بذلك وبكيت، فاستجبت لي. وكما وجدتك رحيمًا في وعدك، هكذا وجدتك أمينًا في الحفاظ عليه. (المصدر نفسه ٥٥، ١٤)
٢١. الرب عونٌ ومحرِّر
يا رب، أنت عوني ومحرّري: لا تتأخّر عليّ ! أنا بحاجة إلى إغاثة: ساعدني؛ أنا سجين: حرّرني، لأن لا أحد، خارجًا عنك، قادرٌ أن يحل الروابط الكثيرة التي تشبك حياتي وتمنعني من الوصول إليك. (المصدر نفسه ٦۹، ٨)
٢٢. اللّه يحفظ حياتي
كُن لي إلها حافظًا، فلا تصيبني سهام العدو، هذا لأنني غير قادر على حماية نفسي لوحدي. كن الحصن الذي ألتجئ إليه. لن أكون في أمان إلا فيك. إن لم تكن أنت راحتي فلن يشفى دائي. إرفعني من الأرض؛ إجعلني أرتاح فيك، بحيث أتصاعد إلى مكان حصين حقًا. أنت ثباتي. إذا كنتُ ثابتا ومستقرا، فأكونه فيك وبك. لذلك، لكي أستطيع أن أصبح قويا معك عندما أشعر بأنني ضعيف، سألجأ إليك. هَلُمّ إليّ، يا رب، بقوتك، وسأتذكر عدلك الذي لا أحد يملكه إلاّكَ.(المصدر نفسه ۷٠، ١، ٥)
٢٣. اللّه يحكم العالم
تبارك اسم مجدك إلى الأبد! كما أمرت، يا رب، حدث، وسيحدث دائمًا. و هذا ما سيحدث دائما، حتى كلُّ ما ابتدأ من نهر حياتك، يصل إلى أقاصي الأرض. (المصدر نفسه ۷١، ٢١)
٢٤. اللّه حياتنا
أظهر لنا رحمتك،يا اللّه؛ اجعل الإنسانية صالحة واهدها إلى كمالك. إلى متى تتهمنا وتلومنا؟ وإن فعلت هذا كله أيضًا: فلن نبتعد عنك. أنت تعطينا الحياة ونحن ندعو اسمك: أنت حلاوتنا. كنا من قبل نحب الأرض، لا أنت؛ و لكنك أمتّ فينا الأعضاء الدنيوية. كنّا أمواتا عندما انغمسنا في الأمور الدنيوية وكنا نحمل صورة الإنسان الترابي. سوف نحبّك عندما تجددنا بوهبك إيّانا حياة الإنسان الباطني. وعندها ستصبح حلاوتنا، أنت الذي هو غفران خطايانا. ستكون بِكُلّيّتِكَ مكافأة المبرّرين. (المصدر نفسه ۷۹، ١٤)
٢٥. يا رب، أنت حليم ووديع
يا رب، أنت حليم ووديع. أنت وديع إذ أنّك لا تنفك تحتملني إلى أن تجعلني كاملا. أنت وديع ولذلك تحتملني. بسبب مرضي أنا أميل إلى الزوال. داوني فأستقر! قوّيني فأصمد. و لكن، إلى أن تجعلني كذلك، احتملني، يا رب، فأنت حليم ووديع. (المصدر نفسه ٨٥، ۷)
٢٦. الرب رحمة وحقيقة
إن العدالة والحكم، يا رب، هما أساس عرشك: سينكشف هذا كله يومَ الدينونة. أمّا الآن فإن الرحمة والحقيقة تتقدمان وجهك. كنتُ لأََخشى عدلك وحكمك الآتي، لو لم تتقدّمك الرحمة والحقيقة. ولكن، ماذا يمكنني أن أخشى من حكمك النهائي، إن كنتَ ستمحو خطاياي بفعل الرحمة التي تتقدّمك، وبينما تظهر الحقيقة ستوفي بوعودك؟ (المصدر نفسه ٨٨، ١، ١٥)
٢٧. اللّه يعرف بؤسنا
تذكر، يا رب، بأننا تراب. إجعل دائمًا رحمتك علينا وبدون تغيير. أنت تعلم الطينة التي جُبلنا بها: فلا تنسى طينتنا هذه كي لا ننسى أبدا رحمتك. (المصدر نفسه ١٠٢، ٢١)
٢٨. يشارك الانسانُ بمجد اللّه
أيّها الرّب إلهي، يا ذا العظمة الكبرى، كيف جعلت نفسك عظيما جدا؟ ألست عظيما دائما بهيًّا أبدًا؟ أناقصٌ أنت لِتَسعَ إلى الكمال؟ أيمكنك أن تنقص لتصبح صغيرًا؟ ولكن بما أنك ما هو أنت، وأنت حقًّا كذلك، إن عظمتك أبديةُ الزمن، لا تعرف بدايةً ولا نهاية. هي لا تبدأ مع بداية الزمن، أو تنقضي مع نهايته، ولا تخضع لتحولات خلال الزمن: إن عظمتك غير قابلة للتغيير بجوهرها. و لكن، بأيّ معنى، إذن، جعلت نفسك عظيما جدا؟ بمعنى أنك جعلت نفسك عظيما من أجلي. أنت عظيم دائما، وإن بقيت خفيا، ولكنك عظيم بالنسبة لي منذ اللحظة التي فيها كشفت لي ذاتك. أصبحت عظيمًا بالنسبة لي بنفس الطريقة التي عَظُمَ فيها عِلمُكَ لديّ، لأنه أصبح كذلك بالنسبة لي. سأُعجب [حتمًا] بعِلمٍ كهذا، إن لجأتُ إليه؛ لكنه يبقى سليما تماما، حتى لو كنت لا أقدّره أو، بعد أن قدّرته، تصدّيت له. بيد أنني، أنا الذي أصبحت كبيرًا بفضله وعدت سليمًا بعد أن كنت دنيئًا، مندهشٌ لأنّي لم أعرفه من قبل: ليس أن العلم أصبح عظيما منذ أن تعلّمته، ولكنّي أنا الذي أصبحت عظيما منذ أن تعلّمته. ولكن حان وقتي لأصغي، وسوف أرى أنه سيظهر لي كما جعل نفسه عظيما جدا ذاك الإله الذي هو دائمًا عظيم. فإنه، بدون شكٍ، جعل نفسه عظيما جدا من خلال أعماله مقارنة بأعمالنا. (المصدر نفسه ١٠٣، ١، ٣)
٢٩. اللّه، في الرجاء وفي الواقع
يا رب، نحن لسنا بعدُ في أرض الأحياء؛ فلا تزال أرضنُا هذه أرضَ الأموات، ورغم ذلك نصرخ ونقول: أنت رجائي، أنت ميراثي في أرض الأحياء. أنت رجائي في أرض الأموات، أنت ميراثي في أرض الأحياء. (المصدر نفسه ١٠٣، ٣، ٤)
٣٠. اللّه يعلّمنا سبله
اعترفت لك، يا رب، بخطاياي، وأنت استجبت لي، أي أنّك غفرتها لي. أمّا الآن فعلّمني سبل عدلك، كيما أترجمها إلى أعمال، ليس فقط كي أعرف ما يجب القيام به. وعندئذ فقط، عن سبيل ممارسة العدل حقًا، سأعرفه حقَّ المعرفةِ. (المصدر نفسه ١١٨، ١٠، ٣)
٣١. اللّه يهب نعمةَ حِفْظِ شريعته
يا رب، لقد آمنت أنه لم يمنح الوصايا إنسانٌ، بل أنت بالذات. هذا الإيمان نفسه يمكّنني من أن أحصل منك على القوة للوفاء بإخلاص بما أمرتنيه. في الواقع، لو كانت هناك تعاليم مفروضة عليّ ظاهرًا من قِبل أيّ إنسان كان، فهل سيكون ربما قادرًا أن يهبني تلك العون الداخلي الذي شأنه أن يجعلني مؤهّلاً للعمل بما أمرني به؟ علّمني إذًا الرقّة وأوحي بها المحبة، علّمني التأديب مانحًا إيّاي الصبر، علّمني العلم بتنوير العقل. في الواقع، لقد آمنت بأن هذه الوصايا قد منحتها لي أنت؛ أنت يا اللّه الذي تمنح الإنسان مجّانًا القدرة على العمل بما تأمره به [في تعاليمك]. (المصدر نفسه ١١٨، ١۷، ٤)
٣٢. اللّه أكثر حميميّة معنا من أنفسنا
أنت حميم معي، يا رب، أكثر من حميميتي بذاتها؛ ثبّت شريعتك في أعماقي، في قلبي، ناقشًا إيّاها بروحك، وبإصبعك أيضًا. وبهذه الطريقة لا يجب أن أخشاها كعبد، دون أن أشعر نحوها بأيّ حب؛ بل يجب أن أحبها بخشية عفيفة، كما يليق بابن؛ وبكلّيّتها يجب أن أخشاها بحب عفيف. (المصدر نفسه ١١٨، ٢٢، ٦)
٣٣. يا اللّه، اجعلنا متواضعين
أجل، أيها الرّبّ الرحيم، افعل [بنا] كذلك. أمرنا حتى بما لا نستطيع تحقيقه، أو الأفضل، أن تأمرنا بالأمور التي لا يمكن تحقيقها إلا بمساعدة نعمتك. وبهذه الطريقة، عندما يستنتج البشر أنهم غير قادرين على تنفيذ أوامرك باتّكالهم فقط على قواهم الخاصة، عندها لن يعتقد أحد منهم أنه عظيم أمام ناظرَيه. فليجعل كلٌّ منهم نفسه صغيرًا، لأنه وحدَه الذي يقدر أن يحفظ وصاياك كما يجب هو ذاك الذي يملك في قلبه تلك المحبة المتواضعة. (المصدر نفسه ١١٨، ٢۷، ٨)
٣٤. اللّه يمنح الشجاعة للمستقيمين
يا رب، اغرس حبك فيّ واجعل بألاّ ترعبني افتراءات الناس ولا تتغلب عليّ، بحيث تجعلني أنحرف عن وصاياك واتجه نحو أعمالهم الشريرة. وإن عاملتني على هذا النحو، فمن المؤكّد إذن، ورغم أكاذيبهم، سأبقى وفيًّا لوصاياك. (المصدر نفسه ١١٨، ٢۷، ۷)
٣٥. الإعتراف بالخطايا وبالعطايا
سوف أعترف لك، يا رب، من كل قلبي. أضعُ على مذبح اعترافي كلَّ قلبي، أقدمه لك كذبيحةِ حَمْدٍ. تُلْهِب شعلةُ حبك قلبي بكامله؛ فلا يبقى فيّ شيء يخصّني، كيما أُوَجِّه نفسي نحو ذاتها، ولكن بفعلك أُحرقُ كلَّ شيءٍ [فيّ] وأيُّ شيءٍ بك يشتعل؛ لِيُؤخذ كل شيءٍ من حبك المحاط بالنيّرات المنبثقة منك. (المصدر نفسه ١٣۷، ٢)
٣٦. اللّه يُحدث كل شيء
يا رب، أنت ترصد سبلي. كنتَ ترصدها قبل أن أمشي وأسير عليها. لقد سمحت بأن أعبرَ ألوف العقبات المتواجدة في سبلي؛ وبهدف تحريري من أيِّ اضطراب، اقترحتَ عليّ العودة للسير بحسب سبلك. ما دافع ذلك؟ هذا اعتراف منّي لك: بينما كنت أسير في طريقي، ابتعدت عنك؛ تخلّيت عنك بينما سعادتي الحقيقية هي بأن أبقى معك. لحسن الحظ أني حذرت بالمصيبة التي كان سيؤدّي إليها ابتعادي عنك. في الواقع لو كنت وُجدتُ بحالة جيدة من دونك، لَكنتُ ربما رفضت العودة إليك. (المصدر نفسه ١٣٨، ٦)
٣٧. نشيد الوصايا
يا رب، سأنشد لك نشيدا جديدا متقيِّدًا بـشريعة المحبة. هناك سوف أنشد لك التسبيح، هناك سوف استمتع بك، هناك أريد أن أنشد لك نشيدا جديدا، لأن مِلءَ الشريعة هي المحبة. حتى في وسط مياه التناقضات سأنشد لك النشيد الجديد. (المصدر نفسه ١٤٠، ١٤)
[1] هذه النصوص متّخذة من الأعمال الكاملة لأوغسطينوس، تمّ نشرها باللغة اللاتينية والإيطالية في دار النشر " Città Nuova "، بروما، إيطاليا.